من هلأ لوين: احسن الافلام العربية

Updated: Aug 4, 2021

"من هلأ لوين" هو فيلم لبناني من اخراج نادين لبكي و عرض سنة 2011, فيلم من الطراز العالمي الذي اخد من الجوائز ما لا يعد و لا يحصى. يعد الفيلم من الافلام التي احتفى بها النقاد للمس بموضوع حساس الا و هو الطائفية الدينية بين الاسلام و المسيحية بلبنان, و المآسي التي تتكبدها النساء اما كانت او زوجة او اخت في فراق احبتها تحت وطأة سلاح الطائفة الاخرى.

الفيلم يعتبر من الافلام الكوميدية التراجيدية التي تمزج بين دموع الحسرة و الضحك, فالفلم يبدأ بلقطة نساء يتوشحن الاسود يمشين في خطوات ثابتة و يرقصن ما يشبه رقص "الفجع" المعروف, و يتفرقن لقبور بين المسيحية و المسلمة دلالة على الألم المتقاسم عدلا بين الطائفتين, فحين يجري رجال لدفاع عن معتقداتهم تنوح النساء على فقدان المقتولين. يكمل الفيلم القصة بدخول تلفاز للقرية و مع دخول التلفاز تدخل العولمة بدخول الفتن المتصورة في نساء عاريات بالإضافة الى افكار طائفية. و من هنا تشتعل نار في القرية بين الطائفة المسلمة و المسيحية, الى حد استعمال السلاح.

تدخل النساء

هنا نساء القرية يتدخلن بحيلهن و يعيشون الامرين فقط لإبعاد الرجال عن النزاعات الطائفية فينتهي بهم الامر عن تنازلهن عن كبريائهم النسوي لإحضار راقصات من شرق اوروبا فقط لاهاء الرجال عن نزاعاتهم و حتى تخديرهم في حفل القرية, الا ان كل المحاولات كانت بين النجاح و الخيبة فبعد كل هدنة يأتي نزاع يذكرهم بما فات و يعودون الى عاداتهم القديمة.

ذروة الفلم

يبلغ الفيلم ذروته حين يموت احد ابناء النساء المسيحيات فتخبأ خبر موته عن الجميع, حتى عن النساء الى حين اكتشافهن الامر عن طريق لقطة جد محزنة في ان احد ابناء المنطقة من الطائفة المسلمة قد اتى اعتذارا للطفل المسيحي و وقف عن بابه و يخبره كم انه يحبه رغم اختلافهم و انهم ابناء منطقة واحدة, فانفجرت الام باكية. و تتلوها احدى احسن اللقطات في السينما العربية, فتقدم الام المسيحية على اطلاق النار على قدم ابنها الاخر لكي لا ينتقم لمقتل اخاه امام اعين النسوة, و تعاطفا معها تغدو النسوة لتغير دينهن فمن كانت مسيحية تغدو مسلمة و العكس.

و هلأ لوين؟

ينتهي الفيلم بجنازة الابن المسيحي كبدايته, تمشي النسوة في ازياء ديانتهم الجديدة و يمشي السرب الاسود, فيقفون امام المقبرة ليسألون السؤال المشهور هلأ لوين, اي الى اين الطريق الآن؟ اين نتجه؟ اين نذهب بجسد ذهب بين طائفتين أندفنه في طائفة قتلته ام اخرى تسببت في قتله؟

المخرجة و الممثلة الموهوبة لبني لبكي رفعت عدة اسئلة مهمة جدا التي نتغاضى عن طرحها كمجتمعات عربية, فأين نسير و الى اين المفر؟ و خلقت تساؤلات بطريقة ذكية بين الكوميديا و تراجيديا, فقد خلقت عالما تبكي بابتسامة في لقطات بعنوان الابتسامة التي تخفي الاف الجروح, بين نساء تخلو عن كبريائهن لحل نزاعات أتت دون انذار و رجال يموتون واحدا تلو الاخر, غافلين عن ان رحيلهم يأثر في ناس اخرى غير نفسهم و قضيتهم.

قصة حب مخفية

من الأشياء التي قد تلاحظها و انت تشاهد الفيلم, هي العلاقة الرومانسية التي جمعت بين شخصيتين الاولى مسيحية 'امال' و ادت دورها المخرجة نادين لبكى و الثاني مسلم 'الطراش' و ادى دوره جوليان الفرحات. الشيء الذي يثلج القلب هو التحدث عن نوعية العلاقات بين الطوائف و كيف للقلب ان يهوى ما ليس له و صعب المنال, و كيفية ان المخرجة جعلت العلاقة الرومنسية شيئا ثانويا في الفيلم و ليس مركز الاهتمام و كيفية ادخاله في كل اللقطات بطريقة سلسة و جد جميلة, بين رقصاتهم الخيالية في المقهى, و نظراتهم المتبادلة يوم خدرتهم النساء. لهذا تعتبر علاقتهم من الاشياء التي تبرهن ان العلاقات الرومنسية ليست من الضرورة ان تكون حبكة الفيلم او اساسه انما ان كان الاخراج و الكتابة في محلهما فستكون افضل بكثير للمشاهد.

موسيقى تصويرية

من الاشياء التي تلاحظها منذ بداية الفيلم هي جمال الموسيقى, و كيفية تصويرها لكل مشهد و كيف توصلك لذروة الآم القصة. الموسيقى ادت دورا كبيرا بفضل الموسيقار الكبير خالد مزنر و صوت رشا رزق و بضع ممثلين. العديد من المشاهدين تم جذبهم للفيلم عن طريق الموسيقى التصويرية التي انتشرت انتشارا واضحا بعد خروج الفيلم, بفضل استعمال الموسيقار لأصوات المغنيين كأداة للكلام لقلب المستمع. بالاضافة الى استعمال تكبيرات في اغنية كايري الله التي انتهى بها الفيلم فتأخذك الموسيقى الى احاسيس التي عجزت المشاهد عن اخدك لها.

خلاصة

رغم ان النساء القرية اخدوا السلاح المادي الا انهم اخدوا السلاح المعنوي ايضا, فقد حثوا الامام و الخوري على الرحيل من قرية و على عدم العودة الا اجل غير مسمى. هل القرية افضل و هي في حالة دينية مبهمة بعيدة عن الصراع؟ ام ان احدهم على غلط؟ اين يدفن ابنها؟ و كم من تضحية ستعيشها النساء قبل ان تنتهي الصراعات؟

الفيلم عبارة عن علامة استفهام مهداة للمجتمع, تسأل اين نحن ذاهبون بهذه العقلية و تصرفات الغير الانسانية؟

لذلك يبقى الفيلم مرسخا في تاريخ السينما العربية لا لجوائزه اللامعدودة ولا لجماله و نجاحه الساحق, انما لمعناه الداخلي الذي لازلنا نعشه بعد 10 سنوات من اخراج الفيلم, فنطرح التساؤل جنب الى جنب مع المخرجة الموهوبة نادين لبكى, هلأ لوين؟

6 views0 comments