لوحة الشيطان: الحلقة 2

شعرت بحيرة شديدة، فعندما اشتريت تلك اللوحة العجيبة، لم تكن البقع اللونية على نسيجها تمثل لي أي معنى مفهوم، أعجبت فقط بتدرج ألوانها، وبتلك الطريقة النقطية في مزج التركيبات اللونية العشوائية على نسيجها، أذكر أن هناك مدرسة فنية يتزعمها رسام شهير تشتهر بتلك الطريقة في رسم اللوحات لجعل محتواها مشوشا، غائما، وهذا يضيف المزيد من الغموض والعمق للعمل الفني، أنا لا أفهم شيئا عن الفن الحديث ولا عن أي فن آخر، قد تكون تلك الألوان تعبر عن شئ ما مكبوت، أو محشور داخل ضمير الفنان الذي رسمها لو كان موجودا وسألته الآن، لأجاب بأن هذه اللوحة، تمثل إرهاصات دخول الخريف على منبع ماء جبلي وتأثير ذلك على الفلسفة الكونية، أو انبثاق مشاعر الأمومة لدى زوجة الأب في موسم الطاعون الأسود ... المهم أنه عندما نظرت للوحة في المرة الأولى وهي معروضة خلف تلك الواجهة الزجاجية، شعرت بأنها تناديني لشرائها، وبأن هناك شئ ما بها يدفعني للتخلي عن ثمنها من النقود القليلة التي أحملها في حافظتي، ولا أنكر أن الدافع قد يكون أيضا عشق الآنسة (رانية) للفن ومحاولتي لجعل هناك شيئا مشتركا بيني وبينها... العجيب أنه عندما أنظر لتلك اللوحة الآن وفي تلك اللحظة بالذات، أشعر بأنني أرى أشياء مفهومة، بقليل من الخيال يمكنني تخيل أن تلك البقع اللونية تمثل رجلا مقيدا إلى مقعده، وآخر يقف خلفه، ويجز رقبته بسكين حاد ... أيكون هذا بسبب إضاءة الغرفة الخافتة!؟ ... عجيب! .

*****

اقتل ... اقتل ... اقتل!

أطلقت صرخة مفزعة، وأنا استيقظ من نومي دفعه واحده غارقا في بحر من العرق، كان الظلام يخيم على كل الموجودات حولي، مددت يدي بسرعة لأضئ المصباح من مفتاحه المتدلي إلى جوار فراشي، أخذت أبسمل، وأحوقل، وأنا أحاول استعادة رباطة جأشي ... إنه كابوس مفزع آخر؟ لماذا بدا لي حقيقيا إلى تلك الدرجة!؟... هذه هي المرة العاشرة التي يهاجمني فيها نفس الكابوس في الليال الثلاث الأخيرة فقط ... إنه كابوس من ذلك النوع المتداخل الذي لا يدرك فيه الإنسان هل هو مستيقظ حقا أم أنه نائم يحلم ... كابوس يبدء في غرفتي تلك، نائم على فراشي هذا، فجأة أشعر بحركة خفيفة، قبل أن أدرك يقينا أنني لست وحدي في الغرفة وأن هناك أشخاص أو أشياء أخرى تمرح فيها، ولكنني لا استطيع رؤيتهم بسبب ظلمة الغرفة، حينها يبدءون في الحديث إلي بتلك الأصوات الشيطانية، أصوات كهسيس الحيات والثعابين لا تفهم لها معنى، ولكنك تستشعر أن هناك كلمة ما تتخلل ذلك الهسيس، كلمة لا تستطيع أن تميزها، يتعالى الصوت، فيتحول إلى طنين مزعج يمزق أذني وخلايا مخي، حينها تتضح تلك الكلمة التي كانت تتخلل ذلك الصوت، إنها كلمة (اقتل ... اقتل!) ... هذا ما كان ينقصني لتكتمل دراما حياتي السوداء، أن اصاب بالخبال، أو أصبح مطاردا من الجن والشياطين ... كان الفجر قد آذن للصلاة، فقمت وتوضأت وصليت الفجر، وقررت ألا أعود للنوم، حملت كرسي خشبي من غرفتي، وخرجت به إلى السطح لأترقب بزوغ شمس الصباح، وأتأمل أشعة الشفق وهي تتخلل ظلمة السماء، فتحيل حلكتها، ضياء وأملا، كنت أعشق تلك اللحظات بحق، وأحرص على متابعتها كلما أتيحت لي الفرصة لذلك، وبخاصة من سطح بنايتي المرتفعة التي تناطح السماء، وكأن تلك الأجواء تحمل في داخلها وقودا خاصا أو طاقة تصلح لشحذ بطاريات روحي المنهكة، وبخاصة مع لسعة البرد المحببة التي تأتي مع هواء الصبح النقي، الذي لم تلوثه بعد أنفاس البشر.

عدت لغرفتي بعد أن عم الضياء الكون، وبدأت جميع الكائنات تخرج من أعشاشها، وديارها، وجحورها سعيا وراء رزقها، أشعر كأنني ولدت من جديد، يمكنني أن أحيا يوما آخر بعد حصولي على تلك الطاقة الروحية ... لقد أنستني لحظات ذلك الكابوس المرعب، وغيبته في ثنايا عقلي، وهو ماكنت أرجوه ... اغتسلت بسرعة، وارتديت ثيابي ... علي أن أكون في العمل بعد ساعة واحدة من الآن، وهذا يمنحني وقتا لتناول إفطاري في الطريق ... ألقيت نظرة على لوحتي الجديدة التي تحتل جدارا وحدها في غرفتي الضيقة ... شئ عجيب! بالأمس كنت استطيع أن ألمح صورا تمثلها التركيبات اللونية المتداخلة على سطح تلك اللوحة، أذكر أنها بدت لخيالي المريض، كشخص مقيد إلى مقعد، وآخر خلفه يجز رقبته بسكين حاد، لماذا اختفت الآن تلك الصور!؟ هل يكون ذلك بسبب اختلاف الإضاءة؟ أو زاوية الرؤية؟ أنا لست خبيرا في مثل تلك الأمور ... أخذت أدور حول اللوحة، أنظر إليها من أكثر من زاوية، أضيق عيني تارة، وأفتح المصباح وأغلقه تارة أخرى، دون جدوى، من الواضح أنني أعجز الآن عن رؤية أي صورة أو شكل له معنى مفهوم على سطح تلك اللوحة! .

*****

( جوج مسمنات أ با حميد فيهم جوج فرمجات )

با حميد رجل عجوز مازال يقاتل في حلبة الحياة رغم ما بلغه من العمر عتيا يحمل في جسده الامراض ويحمل على كتفيه المسؤولية لا يمكن فعل شيء بالنهاية ، يفتح دكانه الصغير على الساعة السادسة صباحا في مكان تشتم فيه رائحة الطفولة وذكريات الشباب ، لا شيء تغير مزال سكان هذا الحي الفقير يأتون للإفطار كل صباح عند با حميد رائحة المسمن لا تقاوم ونسيم الشاي بخلطة العشوب السحرية تجلبك غصبا عنك فيتحلق عشرات ابناء الدرب للإفطار كما انه محل با حميد يعتبر موقعا للتواصل الاجتماعي لتبادل الاخبار والاشاعات والتنمر على العابرين والعابرات من أهل الحي لا أحد يسلم من القاعدة الصباحية هنا .

قال احد الواقفين بجانب المحل وهو ينهش صحنا من المسمن والحرشة

- هل سمعتم اخر الاخبار ؟

اجابه خمسة اخرون في نفس واحد :

لا

لقد قُتِل رضوان بائع المجوهرات ليلة البارحة

- هل كان ذلك بسبب السرقة ؟

- هل تم ضبط القاتل ؟

- في أي ساعة حصل ذلك ؟

عشرات الاسئلة انهالت في المحل والكل يحلل ويناقش ويُفَّعِل نمط المحقق لقد صار الجميع شيرلوك هولمز فجأة !

قال أحد الجالسين في المحل :

- سمعت من قريب لي وهو (عزمي ) يعمل بقسم الجريمة، أن القاتل ربطه وذبحه بوحشية دون أن يسرق شيئا، وأوصاني ألا أخبر أحدا بذلك، لآنهم يكتمون ذلك حتى لا يتسبب في أزمة.

ثم توجه بحديثه للواقفين:

- أرجوكم ألا تخبروا أحدا بما قصصته عليكم ... إنها أسرار لا يصح إفشائها.

كنت قد أنهيت إفطاري ، فأعدت الطبق البلاستيكي لي با حميد شاكرا إياه، وألقيت سلام على الواقفين، وابتعدت نحو عملي، وأنا ما زال أسمعهم يواصلون الحديث عن موضوع الصائغ رضوان المقتول:

- قد يكون ذلك بسبب الثأر، أو بسبب المنافسة المهنية، أو للكراهية أو لأي سبب آخر.

*****

وضعت كوب (النسكافيه) على مكتب الآنسة رانية بعد أن جلبته لها دون أن تطلبه، في الموعد الذي تفضله كعادتها، أشارت لي بإبهامها الصغير بتلك الطريقة التي أعشقها، وابتسمت لي ابتسامتها الرقيقه، فرددت عليها بابتسامة حوت (الأوركا) التي تزيد وسامتي، فبادرتني:

- ما أخبار لوحتك الجديدة؟

- رائعة، كلما نظرت إليها رأيت أشياء جديدة.

- من عبقرية الفنان أن يجعل هناك أكثر من مستوى في قطعته الفنية، وبهذا كلما زاد عمق المشاهد، ومستوى مشاهدته، رأى أشياء جديدة.

لم أفهم بالضبط ما تقصده بتعليقها الأخير، ولكنني أومأت برأسي في بلاهة وأنا أجيب:

- عندك لحق.

صمتت للحظة، ثم قالت بنعومة:

- أريد أن أشاهدها على الطبيعة.

أجبت بسرعة:

- حسنا سأجلبها معي غدا.

- لا داعي لآن تتعب نفسك، فاللوحة تبدو كبيرة لتحملها إلى هنا ... سآتي بنفسي لمنزلك لأراها.

لم أصدق ما تقوله، يا لها من ضربة حظ، لقد أسقطت تلك اللوحة في يوم واحد بيني وبينها، كل تلك السنين الضوئية التي كانت تفصلني عنها، تذكرت حالة غرفتي التي أسكن فيها، فأجبت بذعر:

- أنا أعيش في غرفة متواضعة، لا تليق بك.

قالت بصوت يذيب القلب :

- ومن قال لك أنني بنت وزير، أنا أيضا أعيش في منزل على قدر الحال، مع عدد كبير من الأخوة الذكور الذين يحولون أي مكان يتواجدون فيه إلى حظيرة للحيوانات ... لا تقلق لن أتفاجأ أبدا بما سأراه.

لم أعرف بماذا أرد، ولكن السعادة والترحاب أرتسما بوضوح على وجهي، فأردفت هي بعذوبة، وهي تمد يدها لي بورقة بيضاء وقلم:

- اكتب العنوان هنا، وموعدنا في السابعة مساء

*

معركة هائلة خضتها وحدي بالبالة والشطابة ! لم أكن أحسب أن غرفة صغيرة كغرفتي، يمكن أن تحوي تلك الأطنان من القاذورات، ولكنني انتصرت في النهاية، وطردتها من منزلي في مكان قصي في نهاية السطح، أحضرت بعض الحلوى، والعصائر، وزجاجة من معطر الهواء أفرغتها في جو الغرفة ... تلفت حولي في رضا، بدا المكان مقبولا إلى حد ما، على الأقل هو الآن يصلح لإقامة الكائنات العليا، كالقرود الأولية، مثل الشامبنزي، وقرد المكاك، وهذا في حد ذاته نصر كبير، فمنذ سويعات قليلة لم يكن هذا المكان يصلح حتى كحفرة لخنزير بري ... دق جرس الباب، فبدا صوته أعذب من أي لحن سمعته في حياتي ... فتحت الباب، فوجدتها تقف هناك في فستان أخضر جميل يمتد إلى ما دون ركبتيها، ويحيط بخصرها حزام أخضر، كلون عيونها، تعقص شعرها الأشقر للخلف بمشبك بنفس اللون، بدت جميلة، ندية كأنها نبتت الآن من الأرض البكر الخصبة للجنة ... تحدثت بصوتها العذب قائلة:

- أقدم لك ( لعربي ).

تنبهت في تلك اللحظة، إلى ذلك الثور الذي يقف بجانبها يبتسم في بلاهة، يرتدي قميص (كاروهات) وبنطلون جينز غير مكويين، له شعر أشعث، ولحية كشعره مهملة ... مد لي يدا خشنا، فصافحته ... قالت (رانية ) :

- (لعربي) رسام محترف، وخبير فني، وأخصائي في ترميم اللوحات، وعنده مرسمه الخاص ... أثار فضوله حديثي عن لوحتك فجاء معي ليراها بنفسه.

حدجته بكراهية للحظات، ثم سمحت لهما بالدخول، وأنا أقول:

- سامحاني ... المكان ضيق.

ثم سألتها وأنا أتظاهر بعدم الاهتمام:

- هل الأستاذ ( العربي ) قريبك؟

أجابتني بابتسامة:

- هو زميل من أيام الجامعة، يجمع بينا الاهتمامات الفنية فقط.

كان (لعربي) قد سبقنا بخطوتين إلى الداخل، قبل أن تنطلق صرخته المندهشة، وهو يحدق في اللوحة بذهول:

- مذهل ... إنها تحفة أصلية!

***

سنة (1900) ... كان الشرطي ( فيرنك كوسوث) يقوم بجولته الليلة المعتادة في ضواحي قلعة بودا من العاصمة بودابست المجرية ، كانت دوريتة في منطقة فارنيجيد الخالية هناك كانت الجولة هادئة كالمعتاد، الجو يحمل لسعة برودة محببة، القمر مكتمل يلقى بضوءه الفني فيضيف حياة خاصة إلى كل الأشياء، الشوارع المبطنة بحجر الرمادي، والقناديل الخافتة خالية من روادها في هذا الوقت، كل شئ كان طبيعيا ... هو يفضل الجولات الليلية فتلك الأجواء توقظ في باطنه وعقله أشجان وذكريات ومشاعر جميلة، أخذ يلف عصاته حول سبابته، وهو يطلق من فمه صفيرا منغما ... فجأة انطلقت تلك الصرخة الهائلة، قادمة من أحد المنازل القريبة ... بحاسته الشرطية المحترفة، حدد المنزل الذي جاءت منه الصرخة ثم اندفع إليه وهو يعدو بسرعة كبيرة ... كان المنزل كجميع منازل تلك الضاحية من طابقين ومحلات صغيرة، تحيط به حديقة صغيرة تظهر عليها آثار العناية والاهتمام، والحالة المادية المتيسرة لأهل المنزل، دفع الشرطي فيرنك باب الحديقة، وهو يلقي نظرة سريعة على اللوحة المعلقة بجانبه (منزل عائلة ستيفان).

عبر الشرطي (فيرنك) الحديقة في خطوات سريعة، كان الباب الداخلي مواربا، فاقتحمه وهو يصيح:

- ماذا يحدث هنا؟

كان المكان مظلما، ولا أثر للحياة فيه ... أخرج الشرطي (فيرنك) مصباحه وهو يصيح بصوت عال:

- هل يوجد أحد هنا؟

أضاء المصباح وأخذ يحركه في المكان بحثا عن أي إنسان، فجأة وقع ضوء المصباح على شئ أبيض معلق قرب السقف، لا إنهم ثلاثة أشياء، ركز الشرطي (فيرنك) مصباحه على تلك الأشياء قبل أن تنطلق منه صرخة فزعة، وهو يقول:

- اللعنة.

كانت تلك الأشياء، هي أمرأة مشنوقة من رقبتها ومعلقة بحبل خشن طرفه مربوط حول دعامة من دعامات سور الدرج في الطابق الثاني، وجسدها متدلي وقد فارقته الحياة، وبجوارها طفليها على نفس الحالة، مشنوقان إلى دعامتين أخرتين، وهناك آثار جروح ودماء تغطي مناماتهم البيضاء ... وصل إلى مسامع الشرطي (فيرنك) صوت حركة خافتة، يصدر من الطابق الثاني، فاندفع بسرعة يقفز فوق الدرج حتى وصل إلى الطابق الثاني ... كانت هناك غرفة مضاءة في آخره فتوجه إليها مباشرة، ونظر داخلها:

فرأى فيها رجل، يتكئ على إحدى قدميه وهو مطأطأ الرأس أمام لوحة معلقة على الجدار من تلك اللوحات التي يسمونها لوحات عصرية، اقترب منه الشرطي (فيرنك) بحذر بعد أن لاحظ أن جسده أيضا غارق في الدماء، قبل أن يقول له:

- سيدي ... هل أنت بخير؟

التفت له الرجل ببطأ، ونظر إليه بعينين محتقنتين، قبل أن يقول بصوت مبحوح:

- لقد قتلتهم ... قتلت زوجتي وطفلي؟

أخرج الشرطي (فيرنك) مسدسه بسرعة، ووجه إلى الرجل وهو يقول بلهجة آمرة:

- استلق على بطنك ... لا تتحرك.

نهض الرجل على قدميه، وأشار بسبابته إلى اللوحة، وهو يقول:

- لا ... لست أنا ... إنها هي، هي التي فعلتها!

ثم توجه ناحية الشرطي (فيرنك)، الذي لمح في يده نصلا حادا، فصرخ فيه بلهجة قوية:

- ألق هذا النصل، واستلق على الأرض فورا، هذه هي المرة الأخيرة التي آمرك فيها بذلك.

توقف الرجل، ثم ابتسم بمرارة ... حاول أن يتكلم ولكن الكلام احتبس في حلقه، فبادره الشرطي :

- عليك أن تهدء، كل شئ يمكن إصلاحه.

هز الرجل رأسه نافيا، قبل أن يرفع ساعده الخالي، ويقطع أوردته بالنصل الحاد، ليسيل منها الدم ويغرق المكان.

يتبع ....

6 views0 comments