لوحة الشيطان: الحلقة السادسة

اقتربت (رانية) بخطوات حذرة من المطبخ، كانت الشقة غارقة في الظلام بعد أن أوى جميع أفراد عائلتها إلى فرشهم، إلا من ضوء مصباح خافت يضيئ الصالة، وذلك الضوء الذي يخرج من باب غرفة نومها المفتوح في آخر الردهة مدت (رانية) رأسها عبر باب المطبخ، وعلى الإضاءة الخافتة الصادرة من مصباح الثلاجة، رأت شخصا ينحني داخلها ويبحث عن شئ فيها بعصبية، كان معظم جسده مختفيا وراء باب الثلاجة المفتوح ... كان أول ما جال بعقل (رانية)، أن هذا الشخص هو بالتأكيد واحد من أخوتها الذكور، تسلل إلى المطبخ لصنع شطيرة ليلية، اقتربت (رانية) أكثر بخطوات متحسسة وقررت أن تفاجئ أخيها العابث ... خطوة أخرى ثم أزاحت باب الثلاجة وهي تقول بصوت ساخر حاولت أن تكسبه نبرة تهديد مصطنعة:

- ماذا تفعل هنا!؟

اعتدل ذلك الشخص ببطء، حتى صار وجهه في مواجهة وجهها تماما، هنا اكتشفت أنه ليس واحدا من أخوتها الذكور، لقد كان (مسعود)، ولكن هناك شيئا مختلفا في ملامحه، إنهما عيناه وحدقتيهما المشقوقتين كالثعابين، ونابيه البارزين على جانبي فمه، وذلك اللسان المشقوق الذي يتحرك بينهما، لقد كان هو (مسعود) كما تعرفه، ولكن بهيئة ثعبانيه مرعبة ... كانت (رانية) قد بلغ منها الرعب والذعر مبلغا، كانت تريد أن تصرخ، أو تهرب، أو حتى تسقط مغشيا عليها، ولكنها شعرت بالخدر، والشلل، يتملكان كل جوارحها ... أصدر ذلك المخلوق هسيسا مرعبا، وأقترب منها أكثر حتى صار فمه على بعد بوصات من أذنيها، قبل أن يهمس فيهما بكلمات لم تسمعها في المرة الأولى، فكررها ثانية فبدت واضحة في تلك المرة:

- ساعديني ... أرجوك ساعديني!

فجأة زال الخدر عن جسدها دفعة واحدة، وانطلقت صرخاتها عالية، مولولة ... ثوان وأضيئ المكان، كان ذلك هو والدها الذي هرع إلى غرفة نومها بعد أن أفزعته صرختها، فأضاء المصباح، ومن خلفه لحق به أخوتها وأمها، التي أسرعت نحوها وجلست بجوارها على الفراش واحتضنتها، وهي تقول بلهجة مطمئنة:

- لا تقلقي يا حبيبتي ... إنه مجرد كابوس.

قال أبوها بلهجة حانية:

- اطمئني، أنت في فراشك وبين أهلك، لا يوجد ما يخيف.

تلفتت (رانية) حولها في جزع، كانت بالفعل على فراشها، وفي غرفة نومها ... كان الفزع والحيرة مازالا يرسمان معالمهما على وجهها، هل كان ما رأته حقا حلما أو كابوسا، لقد كان شديد الوضوح، وكان مرعبا للغاية ... أردف أبوها قائلا:

- ما تعرضت له في الأيام الماضية كان قاسيا يا بنيتي، عليك أن تريحي جسدك وعقلك يا حبيبتي.

أشارت أمها لأبيها وأخوتها كي يرحلوا، وهي تقول:

- سأنام جانبك هذه الليلة.

أراحت (رانية) رأسها إلى الوسادة، وأغمضت عينيها، وعقلها مازال مستيقظا يفكر في هذا الكابوس المرعب، هل كان ما رأته حلما، أم رؤية ورسالة من عقلها الباطن؟

*

لحظة مرعبة أخرى عشتها عندما نظر إليَّ ذلك الشبح، وصرخ في وجهي:

- أقتلها!

كان صوته ضخما، عميقا، كصوت الرعد، خرج من فمه كريح عاصفة، أطاحت بي إلى الخلف أكثر من مترين، لأسقط على فراشي ... كان رد فعلي سريعا للغاية، نهضت من سقطتي، وتوجهت مباشرة إلى باب غرفتي، وهربت من المكان ... لن أقضي لحظة أخرى في تلك الغرفة بحضرة شياطينها، وشبحها، ولوحتها الملعونة ... كنت أعدو على درج البناية اتلفت خلفي تحسبا أن يكون ذلك الشبح في أثري ... أشعر بالخوف على نفسي حقا! ولكنني أشعر بالخوف أكثر على (رانية)، التي اخترتها اللوحة الملعونة كي تكون ضحيتها التالية، ويدعوني ذلك الشبح لأقتلها بنفسي ... لا لن أقتلها! لن أفعل ذلك أبدا، مهما كان الثمن غاليا.

قادتني قدماي إلى ذلك الفندق الحقير، في ذلك الحي الشعبي بقلب العاصمة، أعرف المكان جيدا، وقضيت فيه بعض الليالي من قبل بصحبة العناكب والقمل والعفن الذي يغطي جدرانه، وأثاثه القذر، كل هذا لا يهم، المهم ألا أقضي ليلتي بصحبة تلك اللوحة الملعونة ... كان عامل الفندق يعرفني، وبالتالي لم يسألني عن اسمي ولا بطاقتي، وهو يناولني مفتاح الغرفة، ويتناول إيجار ليلتين ... دلفت إلى الغرفة فاستقبلني جوها الخانق، وتلك الرائحة العضوية السيئة، ألقيت نفسي على الفراش الذي تغطيه ملاءة اختفى بياضها أسفل تلك البقع ذات الألوان المتعددة، والتي يمكن أن تنشط مخيلتك، فتعتبرها كلعبة للتسلية وانت تفكر في مصدر كل بقعة من تلك البقع ... أغمضت عيني، وغبت في النوم، أنام كثيرا جدا في الأيام الأخيرة، المفروض أن يكون الأمر عكس ذلك تماما مع كل تلك الضغوط العصبية التي أتعرض لها ... ولكن ها أنا أغيب فيه مرة أخرى، كان آخر ما خطر على عقلي قبل النوم، هو صورة (رانية) وابتسامتها الآثرة وعينيها الخلابتين.

نمت عدة ساعات، واستيقظت قرب الفجر، توجهت إلى ذلك الحوض المعلق إلى جدار الغرفة، فغسلت وجهي ببضعة دفقات من الماء، لا يوجد داعي لدخول الحمام، ففي هذا الفندق الحمام مشترك، ودخوله بالدور ويعتبر ضربا من المستحيلات، وحتى لو نجحت في دخوله فسيفزعك ما ستراه في الداخل ... عدت إلى فراشي وجلست عليه، ألقيت نظرة على ساعتي إنها الرابعة صباحا، زفرت زفرة طويلة قطعتها بفزع، بعد أن وقعت عيناي عليها، انتصب شعر رأسي وسرت البرودة على عمودي الفقري، ورقبتي، ووجدت نفسي أصرخ في جزع:

- اللعنة!

فأمامي على الجدار المقابل، كانت لوحتي الملعونة معلقة في براءة، لقد جاءت خلفي، لقد قررت ملاحقتي ... حاولت الهرب منها وتركت غرفتي بما فيها، فطاردتني تلك الملعونة إلى ذلك المكان الحقير... نظرت إلى نسيجها، كان ذلك المشهد الذي يمثل (رانية) محاصرة بذلك الثعبان الضخم ماثلا على نسيجها ... تمتمت بفزع:

- يا إلهي ماذا أفعل!؟ كيف أتخلص من تلك اللعنة!؟

*

مرة أخرى أجول في شوارع العاصمة حتى تطلع شمس الصباح، وتعود الحياة إلي شوارعها التي كانت نائمة، أتوجه الآن إلى العمل، هذه هي الفكرة الوحيدة التي خطرت لي، بالتأكيد لن تطاردني تلك اللوحة الملعونة إلى هناك، كما أن ذهابي للعمل فرصة لرؤية (رانية)، وكذلك ينأى بي عن الشكوك عندما يكتشفون مقتل رئيسي في العمل ... وصلت إلى أول الشارع الذي فيه الشركة التي أعمل بها، عندها لمحت سيارة الشرطة التي تقف أمام بنايتها، وحولها ينتشر مجموعة من رجال الشرطة يقفون في ترقب أمام مدخل البناية ... استدرت على عقبي مبتعدا، لا أحتاج للكثير من الذكاء لأعرف أنهم هنا يبحثون عني ليقبضوا علي، ترى في أي تهمة؟ مقتل الذهايبي ، أم مقتل رئيسي في العمل، أم (لعربي)؟ أم أن الشرطة اكتشفت كل الحقيقة، وتبحث عني لقتل ثلاثتتهم!؟

أخرجت هاتفي المحمول، كانت آخر مكالمة مسجلة عليه من (رانية)، ضغطت زر الاتصال، وانتظرت في قلق مترقبا أن يتوقف الرنين السمج، وأسمع صوتها الرقيق يرد علي من الطرف الآخر، ولكن هذا لم يحدث أبدا! حاولت مرات ومرات، وفي كل مرة لا أتلقى ردا!. لقد وعدتني (رانية) بأن تمر علي اليوم، هل أعود إلى غرفتي وانتظرها هناك، ولكن إذا كانت الشرطة عرفت الطريق إلى عملي، فهم بالتاكيد يعرفون أيضا الطريق إلى سكني، وهم ينتظرونني هناك ينصبون المصيدة وينتظرون الفأر أن يقع فيها، لا لن أفعل، لن أعود إلى غرفتي أبدا!

بعد ساعات طويلة من السير أدمت قدمي، وأحرقت فيها أكواب القهوة والشاي معدتي عندما كنت ألجأ للجلوس على بعض المقاهي لأريح على مقاعدها جسدي المنهك ... أخيرا حل المساء، وهناك فكرة تسيطر الآن على عقلي، لا أعرف هل هي فكرة تحمل بعض المنطق، أم أن الأرهاق والتعب هما اللذان يصوران ذلك لعقلي، أفكر أن أعود الآن إلى ذلك الفندق الحقير، وأحاول التخلص من تلك اللوحة اللعينة بأي وسيلة، كما أنه في النهاية مكان مناسب للاختباء في تلك الظروف.


اللعنة ... ماذا أفعل لكي أقضي على تلك اللوحة الأبدية، لقد جربت اشعال النار فيها فلم تتاثر، جربت تمزيقها بمقص وسكين عبر عشرات الطعنات والشقوق ثم عادت بعدها لتلتئم كان شيئا لم يكن، ماذا أفعل حتى أتخلص منها!؟ أخذت أصرخ في هستيرية، أمسكت باللوحة بغضب وتوجهت إلى النافذة وألقيت بها على امتداد ذراعي إلى خارج النافذة، لتسقط في مكب للنفايات بذلك الشارع الخلفي الملاصق لظهر الفندق، ذلك الشارع الممتلأ عن آخره بأكياس القمامة والنفايات ... صرخت وأنا أزفر بعصبية:

- إذهبي أيتها اللعينة ... مصيرك مع القمامة!

الآن يمكنني أن أرتاح قليلا، أشعر بحاجة شديدة للنوم.

*

لم يفلح إلحاح والدي (رانية) أو تحذيراتهما في أن يثنياها عن الذهاب للعمل في هذا اليوم، كانت تعلم أنها لو تغيبت يوما آخر فلن يرحمها ذلك البغيض رئيسها في العمل من العقاب، هكذا وجدت نفسها على مكتبها وأمامها أطنان من العمل المتأخر، الغريب أنها علمت أن رئيسها في العمل لم يحضر هذا اليوم، ولا اليوم الذي قبله، وهذا أشعرها بالراحة، لأن هذا يمنحها متسعا من الوقت لإنهاء أعمالها المتأخرة قبل ظهوره، وتقريعه المتوقع لها ... سألت زملاءها في العمل عن (مسعود)، وعلمت منهم أنه متغيب هو الآخر، على الأقل هي تعرف السبب، والآخرين في الشركة أصبحوا يعرفونه أيضا بعد ساعات عندما جاء ذلك المحقق الشاب، المتحمس للشركة بصحبة رجال الشرطة للسؤال عن (مسعود) بعد أن أخفقوا في العثور عليه في غرفته.

اتصلت (رانية) بأمها لتخبرها بأنها ستتأخر في العمل حتى التاسعة مساء، وذلك كي لا تشعر بالقلق عليها، ولتبلغ أيضا أخاها الأصغر بالموعد الذي سيحضر فيه لها، بعد أن رفض أبوها أن تقود السيارة بنفسها هذا الصباح، خوفا من أن تعاودها حالة التعب والدوار، وأصر على أن يصحبها أخوها للعمل صباحا ويعيدها في المساء.

أنهت (رانية) عملها في الموعد المحدد، فأخرجت هاتفها للاتصال بأخيها، كانت هناك خمسة وعشرون اتصالا لم ترد عليها، لقد نست هاتفها على وضع الصامت، فكرت أن معظم تلك الاتصالات من والديها، وستقوم بمراجعتها بعدما تعود للمنزل ... وضعت الهاتف في حقيبتها، ووقفت أمام البناية تنتظر في صبر وصول أخيها، فجأة لمحت شيئا يلمع من شارع الخدمات الضيق المجاور لبناية الشركة، هي تعلم أن ذلك الشارع مغلق وفيه مداخل خلفية للبنايات المطلة عليه، ويستخدم عادة في التحميل أو التفريغ ... هناك شئ بالفعل يلمع داخل ذلك الشارع، أو هو أنعكاس إضاءة أعمدة الإنارة على شئ ما يتحرك ... دفعها الفضول للاقتراب اكثر، لم تشعر بنفسها وهي تلج ذلك الشارع وتمشي فيه حتى منتصفه، لا يوجد أي أثر لذلك الشئ اللامع، فجأة، تدحرجت علبة معدنية من الطرف المغلق للشارع حتى توقفت أمام حذاءها ... كان ذلك الطرف مكدسا بصناديق خشبية ضخمة تصلح لإخفاء فيل، بدأت (رانية) تشعر بالقلق، وبأن دخولها لهذا المكان وحدها لم يكن تصرفا ذكيا، فتمتمت بصوت مرتعش وهي تتراجع للخلف:

- هل من أحد هنا!؟

هنا فتح الجحيم أبوابه، فمن خلف أحد الصناديق خرج ذلك الثعبان العملاق، ثعبان ضخم بحجم ثعبان (البوا) العملاق، يزحف ناحيتها برأس وقائمة منتصبتين (كالكوبرا الملكية)، وبذيل يصلصل كحية الجرس، وبعينين تلمعان بضوء أصفر مرعب، إي خليط شيطاني هذا في هذا الثعبان الضخم الذي يحاصرها في ذلك الشارع الضيق، ويقترب منها مشرعا أنيابه، ولسان مشقوق يعبث بينهما في جشع، فكرت للحظة، هل يكون هذا أيضا كابوس ككابوس الأمس؟ لا إنه ليس كابوسا، إنها حقيقة مرعبة ... حاولت (رانية) الهرب ولكن الفرصة كانت قد ضاعت، فقد زحف ذلك الثعبان وأغلق مدخل الشارع عليها، وبدأ يقترب منها مركزا عينيه المنومتين إلى عينيها، أخذت (رانية) تتراجع، حتى صار الحائط في ظهرها، فغطت وجهها برعب وأخذت تصرخ في جنون هستيري.

- طااااااخ!

كان ذلك هو صوت عيار ناري انطلق من مدخل الشارع، وأصاب الثعبان الضخم في جذعه، فسقط متكوما على الأرض، فتحت (رانية) عينيها لتلمح ذلك المحقق الشاب وهو يصوب مسدسه ناحية الثعبان المتكوم بجرح دامي في جزعه، على الأرض على بعد متر واحد من موقعها، بادرها المحقق الشاب:

- هل أنت بخير؟

أومأت برأسها ... فجأة اعتدل الثعبان العملاق، ثم زحف بسرعة هائلة ناحية الجدار المغلق في نهاية الشارع، طارده المحقق برصاصته، التي أصابت جميعها الجدار، ولم تفلح أيا منها في إصابة الثعبان، الذي زحف صعودا الجدار بطريقة مذهلة لا تفعلها الثعابين وبسرعة كبيرة حتى اختفى عند سطح البناية ... هرع المحقق الشاب نحو (رانية) وعاونها على النهوض، وهو يقول:

- أي شيطان هذا؟

شكرته (رانية)، قائله:

- شكرا لك ... لولا ظهورك المفاجئ لصرت فريسة سائغة له ... لقد أنقذت حياتي!

- ليس ظهورا مفاجئا، كنا نراقبك على أمل أن يحاول (مسعود) التواصل معك ... لم نعثر عليه حتى الآن.

ابتسمت (رانية):

- لقد كان هذا من حسن حظي.

15 views0 comments