لوحة الشيطان: الحلقة الثالث

كان ( لعربي) يقضي ليلته وحيدا في مرسمه كعادته، وسط لوحاته وألوانه، كان مازال يشعر بالحماسة، بعد رؤيته وفحصة لتلك اللوحة الأصلية في منزل ذلك الأحمق (مسعود) ... إنه موقن أنها لوحة أصلية، لا يصدق أن (مسعود) اشتراها بثمن بخس، بالتأكيد هو سرقها من مكان ما ... ما يثير حماسته أكثر هو شعوره بأنه قد رأى تلك اللوحة من قبل، وأنها تثير في روعه فزعا مبهما لا يعرف سببه ... لهذا جلس إلى حاسوبه ليبحث عن أصل تلك اللوحة، بمقارنة صور اللوحات من المواقع الشهيرة بتلك الصور التي التقطها للوحة بهاتفه المحمول ... فجأة عثر على رابط يحتوي على صورة مطابقة، ففتحه بسرعة وقرأ ما فيه، قبل أن ينتصب شعر رأسه من الرعب، ويشعر بتلك الرعشة الباردة تسري على عموده الفقري وأطرافه، تمتم بصوت خفيض:

- اللعنة، إنها (فوجار)، يجب إخبار (رانية) بذلك.

فجأة، سمع صوت شئ يسقط على الأرض في الزاوية المظلمة من المرسم، أرجف (لعربي)، ونهض من على مكتبه، وتوجه بخطوات مرتعدة ناحية الصوت، قبل أن تقع عيناه على (باليتي) ألوان من تلك التي تستخدم في الرسم، كانت ساقطة على ملاط المرسم، يبدو أنها سقطت من على اللوح الذي كانت معلقة عليه... تنهد (لعربي) بارتياح، ولعن بحماقته لشعوره بالفزع بتلك الطريقة وهو في هذا السن، وبهذا الجسم ... في تلك اللحظة تحرك ذلك الظل المرعب خارجا من الركن المظلم، كان أول ما وقعت عينا (لعربي) عليه هي تلك القدم العملاقة ذات الأظافر المخلبية التي ظهرت على الأرض خلف (الباليتي) ... رفع (سطوحي) عينيه ببطأ إلى أعلى، قبل أن تنطلق صرخته الفزعة لتشق سكون الليل.

**

بالطرد، وأخبرك أن الإيجار سيتضاعف من الشهر القادم ، الآن لن يفكر أحد من الورثة في شئ من هذا، وسينشغلون حتما لفترة طويلة في حصر كل تلك الثروات والأطيان، التي كان يمتلكها السيد (رضوان) الذهايبي ... أنت محظوظ رغم كل شئ!

ابتسمت فقد بدا وصفه لي بالمحظوظ كدعابة، قبل أن أمط شفتي في عدم اكتراث، وأنا أقول:

- لم تكن مشاجرة بالمعنى المفهوم، كان مجرد خلاف بسيط في وجهات النظر.

أنهيت حديثي معه وعدت لغرفتي، كنت أريد أن ألقي نظرة على لوحتي، فبالأمس بعد رحيل (رانية) وصاحبها، طالعتني تلك اللوحة العجيبة بمشهد جديد على نسيجها، مشهد لكائن يشبه الدب، أو المستذئب كما نراه في الأفلام، كذئب ضخم يقف على قدميه كالرجال، وكان ذلك الكائن يهاجم شاب صحيح البنية، بدا لي ذلك أشبه بي (لعربي) الذي جاء بصحبه (رانية) الليلة الماضية، لا أعرف هل كان ذلك بسبب الإيحاء باعتباره آخر من رأيت، أو أن عقلي صور لي ذلك بسبب شعوري بالضيق والحقد عليه لكونه صديق (رانية) من دوني ... ألقيت نظرة على اللوحة، وكما توقعت اختفى ذلك المشهد، وعادت اللوحة لما كانت عليه ... شئ محير بحق، هل هي اللوحة حقا !؟ أم أن عقلي هو الذي يختلق تلك المشاهد بعد أن بدء يفقد اتزانه أخيرا بسبب الوحدة!؟

*

حاولت (رانية) الاتصال (بالعربي) عدة مرات هذا الصباح ولكن هاتفه لا يرد، كان قد وعدها بأن يكشف لها عن سر تلك اللوحة التي يحتفظ بها (مسعود) في بيته، والتي تبدو كلوحة أصلية تقدر قيمتها بالملايين، واشتراها (مسعود) بثمن بخس من متجر صغير للتحف والخردوات ... ترجلت (رانية) من السيارة الأجرة أمام ذلك القصر الذي تبرع به صاحبه العاشق للفنون بعد وفاته حتى يكون قبلة وملتقى يجمع الفن والفنانين، فتم تقسيمه، إلى مجموعة من المراسم وقاعات العرض، تديرها النقابة، وتؤجر بعضها، ومنها ذلك المرسم الذي يؤجره (لعربي) وهو في الناحية الخلفية من حديقة القصر، بعيدا عن الزحام والضجيج ... كانت الساعة الثامنة صباحا، وهذا يعني أنها ستتأخر عن العمل، ولكن فضولها بخصوص تلك اللوحة، وشعورها بالقلق لعدم رد (لعربي) على مكالماتها، دفعاها دفعا للقدوم إلى هنا.

توجهت (رانية) إلى المرسم، كانت تعلم أن (لعربي) يقضي معظم أوقاته فيه، هو تقريبا لا يعود إلى منزله إلا قليلا ... تنهدت بارتياح عندما وجدت باب المرسم مفتوحا ومواربا، دفعته بهدوء وتقدمت إلى الداخل وهي تنادي على (لعربي)، ولكنها لم تتلق ردا، إنها تعرف المكان جيدا، بل أنها تستخدمه أحيانا لممارسة هوايتها في الرسم، حتى أن بعض محاولاتها تقف هناك مرصوصة على الجدار، هي تعرف أنها ليست بارعة، ولكنها تحاول ومستواها يتحسن باستمرار ... ألقت نظرة على المكتب، فوجدت الحاسوب هناك، ولكنها لم تجد صاحبه، أخذت تبحث في المكان وهي تنادي على (لعربي)، فلمحت مجموعة من اللوحات مكومة وملقاة في جانب من المكان، فتمتمت وهي تقترب منها:

- غريب، هذا ليس من عاداته!

فجأة وقعت عيناها على قدمين تعرف صاحبهما، تطلان عليها من تحت اللوحات، صرخت في جزع:

- (لعربي) ماذا بك؟

قبل أن تندفع بسرعة لتزيح اللوحات من فوق جسده المسجى على الأرض، قبل أن تنطلق صرخاتها مدوية، متواصله، كصفير قاطرة أصيبت بالخبال، فهناك تحت تلك الكومة من اللوحات كان جسد (لعربي) الممزق، المشوه، الغارق في بحيره من دمائه ... توقفت (رانية) عن الصراخ مرة واحدة، وسقطت مغشيا عليها.

*

هذا هو اليوم الثالث الذي تتغيب فيه الآنسة (رانية) عن العمل، أشعر بالقلق والتوتر، وهذا دفعني إلى فعل مجنون ... توجهت إلى رئيس العمل، كان قد طلب مني كوبا من القهوة، ونسخ بعض الأوراق له على ماكينة النسخ ... اقتربت من مكتبه، وتنحنحت، فنظر لي تلك النظرة السمجة، وأشاح لي بيده بفظاظة كي أضع الأشياء التي في يدي على المكتب، وأرحل، فوضعتها وأنا أقول بصوت حذر:

- الآنسة (رانية).

أجاب دون أن ينظر لي وهو يراجع بعض الأوراق أمامه:

- مالها!؟

- لم تأت للعمل في الأيام الأخيرة.

التفت لي وحدجني بنظرة متفحصة، وهو يقول:

- إنها مريضة.

قالها وعاد إلى عمله، فتنحنحت مرة أخرى، فصرخ في بحدة:

- ماذا تريد الآن؟

قلت بصوت متلجلج، وأنا أشير إلى الحاسوب الموجود أمامه، والمسجل عليه بيانات كل العاملين:

- كنت أريد رقم هاتفها.

حدق في وجهي بدهشة، قبل أن يسأل يصوت غليظ:

- لماذا؟

ازدادت الرعشة في صوتي، فخرج رغما عني مبحوحا، خائرا، أنا أقول:

- لقد طلبت مني أن اشتري لها بعض الأشياء.

اتسعت عيناه بشدة، وهو ينظر إلى وجهي، يحاول سبر غوره، قبل أن تنطلق منه ضحكة عالية، مجلجلة، جذبت انتباه جميع الموظفين في الشركة، الذين حولو تركيزهم إلينا، وألقوا آذانهم وأعينهم ليتابعوا ما سوف يحدث، قبل أن يصرخ في وجههي بصوت عال:

- لن أعطيها لك بالطبع أيها العاشق الصغير ... هيا أذهب من هنا وعد إلى عملك قبل أن أوقع عليك الجزاء.

أحمر وجهي واحتقن، وأنا اتابع تلك الابتسامة الشامتة التي ارتسمت على وجوه الجميع، درت على عقبي متوجها إلى المطبخ، وأنا أنظر إلى الأرض في خجل، فلاحقني ذلك اللعين بسهام كلامه الفظ قائلا:

- عليك أن تعرف مستواك، ولا تحاول تجاوزه أبدا، وإلا ستصيبك الحياة بركلة لتذكرك بمقامك أيها العاشق.

كنت أشعر بالضيق والحرج، أفكر أن أعود لأخنقه بكلتا يدي، أو أذيقه ركله من طرف حذائي المدبب في مؤخرته، ستكون أكثر قسوة من ركلة الحياة التي يتحدث عنها هذا الأحمق ... تمتمت بصوت خفيض، لا يسمعه سواي:

- أتمنى أن تموت أيها اللعين

***

قال المحقق الشاب (لرانية)،التي تجلس على فراشها المعدني في غرفتها بالمستشفى، بعد أن قضت فيها اليومين السابقين غائبة عن الوعي بعد تلك التجربة المروعة التي عاشتها:

- هل أنتِ بخير الآن؟

كان وجهها شاحبا للغاية، وعيناها ذابلتين وبريق خضرتهما قد خفت، وشفتاها جافتين، وخرج صوتها خائرا، ضعيفا، وهي تقول:

- أجل.

- إذا قصي لي ما حدث بالضبط.

أخذت (رانية) تقص على المحقق ماحدث، وكيف أنها احتاجت رأي (لعربي) في لوحة اشتراها صديق لها، وعندما تأخر (لعربي) حاولت الاتصال به، فلم تتلق ردا، فقررت زيارته في مرسمه، لتعثر على جثته على تلك الحالة المريعة ... سألها المحقق عن بعض التفاصيل، فحاولت الإجابة بقدر ما سمحت لها به ذاكرتها، وحالة الإعياء التي تشعر بها في تلك اللحظة ... في النهاية شكرها المحقق، ثم أخبرها أن هناك سؤال واحد أخير:

- هل تعني لك كلمة (فوجار) شيئا!؟

فكرت (رانية) للحظات، ثم هزت رأسها نافية، وهي تقول:

- لا.

صمتت للحظة، ثم أردفت متسائلة:

- هل لتلك الكلمة علاقة بمقتل (لعربي)!؟

أومأ المحقق برأسه، وهو ينهض من مقعده قائلا:

- أجل، لقد كتب تلك الكلمة في رسالة على هاتفه المحمول قبل مقتله، ولكن الوقت لم يسعفه لإرسالها.

شكرها المحقق قبل أن يرحل، وأعطاها بطاقته المهنية، وطلب منها الاتصال به في حال تذكر أي تفاصيل أخرى قد تفيد القضية ... للحظات تجمدت (رانية) في فراشها، وأغمضت عينيها وهي تسترجع بعض الذكريات لها مع (لعربي) زميلها في الجامعة، ذلك الفنان الموهوب، الخدوم، الذي علمها الكثير، وكان السبب في حبها للفن واهتمامها به، سالت دمعة حارة على وجنتها، فمسحتها بسرعة، ثم تناولت بعزم هاتفها المحمول من على الكومود الموجود إلى جانب الفراش، أدخلت بعض الأرقام وضغطت زر الاتصال، وانتظرت حتى جائها صوت مجيبها من الناحية الأخرى:

- ألو

- دكتور (عبد الكريم) كنت أريد أن آخذ رأيك في أمر هام.

استمعت للحظات، ثم قالت:

- حسنا، سأمر عليك بعد نصف ساعة في مكتبك بالجامعة.

1 view0 comments