لوحة الشيطان : الجزء الرابع

طرقت (رانية) باب المكتب وقرأت اللافتة المعلقة إلى جواره، دكتور (عبد الكريم ) أستاذ في تاريخ الفن وعلوم المتاحف، كانت (رانية) تشعر بإعياء شديد، ويكتنفها إحساس متواصل بالدوار، كان والديها، والأطباء قد حاولوا جاهدين أن يثنوها عن مغادرة المستشفى قبل أن تتحسن حالتها، ولكنها كانت عازمة على القدوم، فهي تشعر أن الدكتور (عبد الكريم) قد يكون لديه إجابة على أسئلتها، في النهاية سمحوا لها بالخروج على أن يصحبها أخوها الأكبر بسيارته، وينتظرها حتى تنهي مقابلتها، ويعيدها بعد ذلك إلى المنزل مباشرة ... جاءها صوت الدكتور (عبد الكريم) من داخل المكتب:

- تفضل.

دخلت (رانية)، فنهض الدكتور (عبد الكريم) من وراء مكتبه، مرحبا بها، ودعاها للجلوس، قبل أن يرتسم الأسى على وجهه، وهو يقول:

- لقد سمعت بما حدث (لعربي) ... أنا آسف.

أطرقت (رانية) برأسها ولم تعرف بماذا تجيب، كان (لعربي) هو الذي عرفها بالدكتور (عبد الكريم)، ودعاها لحضور بعض محاضراته التي يتحدث فيها عن تاريخ الفن، قال الدكتور (عبد الكريم) بلهجة رصينة:

- أراك ما زلت مرهقة، وجهك الشاحب ينبئ بذلك ... كيف يمكنني مساعدتك؟

أجابت بكلمة واحدة:

- (فوجار)!

- ماذا؟

- هل هناك شئ مرتبط بتاريخ الفن يدعى (فوجار)؟


بدا التفكير العميق على وجه الدكتور (عبد الكريم)، قبل أن يجيب:

- هل تقصدين الرسام فوجار؟


- هل هناك رسام بهذا الاسم، أنا لم أسمع به من قبل!

عدل الدكتور (عبد الكريم) نظارته فوق عيناه، وهو يقول:

- لآنه لم يشتهر بسبب لوحاته، في الواقع لم يترك منها إلا القليل، ولكنه اشتهر بسبب الجرائم المروعة التي ارتكبها.

أخرجت (رانية) هاتفها المحمول، وأرت الدكتور (عبد الكريم) صورة للوحة التي يعلقها (مسعود) على جدار غرفته، فبدا الذعر على وجهه وهو يقول بصوت مبحوح:

- هذه اللوحة ... هذه اللوحة سيئة السمعة، البعض يقول أنها ملعونة، أين عثرت على صورتها؟

*

لم أشعر بأن ساعة قد مرت علي وأنا واقف هناك أمام لوحتي، أحدق فيها بذهول ... كما هي العادة، إنها تبوح الليلة بصور جديدة ومشهد جديد، سرعان ما يختفي ما أن يأتي النهار، الليلة أرى على نسيجها صورة لرجل تبدو على ملامحه الغضب والكراهية، يشنق آخر بحبل غليظ يلفه حول عنقه، ويشده من الطرفين، على طريقة السفاحين الهنود، والثاني يقاوم في يأس وقد جحظت عيناه من الألم والرعب ... أشياء رائعة وأفكار جميلة أملأ بها عقلي وباطني قبل النوم، من الطبيعي أن تهاجمني إذا تلك الكوابيس اللعينة ... الآن أفكر، هل كان شراء تلك اللوحة وتعليقها على جدار غرفتي فكرة جيدة؟.. أشك في ذلك!

استيقظت من النوم على رنين جرس المنبه في هاتفي المحمول، بحثت عنه، فوجدته في جيب سروالي، فأغلقته ... إنها الآن الرابعة صباحا بالتأكيد، عجيب لقد نمت الليلة نوما عميقا دون كوابيس، فركت عيني بأصابعي وبباطن كفي حتى أزيل عنهما النوم، نهضت من فراشي متوجها لدورة المياه ... ولكن ما هذا!؟ اللعنة! أنا لست في غرفتي، أنا في شقة واسعة، فاخرة التأثيث، أرى ذلك على ضوء بعض المصابيح الخافتة التي تضئ المكان ... أنا لم أكن نائما في فراشي، بل على أريكة وثيرة في بهو هذه الشقة!.. أنا لا أعرف هذا المكان، ولم أتواجد فيه سابقا، إذا ما الذي جاء بي إلى هنا!؟. انتبهت إلى ذلك الشئ الذي أقبض عليه في يدي الآن، إنه حبل غليظ، ألقيته على الأرض بسرعة، كأنني كنت أقبض على ثعبان ... تلفت حولي في فزع، فرأيته هناك خلف أحد المقاعد مسجا على ظهره، عيناه جاحظتين تحلقان في السقف وقد اختفت منهما الحياة للأبد ... لقد تمنيت موته منذ ساعات، وها هي أمنيتي تتحقق ... إنه رئيسي في العمل، لقد مات مشنوقا بحبل غليظ كما تبدو العلامات على رقبته، حبل كالذي كنت أمسكه في يدي منذ لحظات!

***


أربع ساعات مرت على فراري من تلك الشقة اللعينة تطاردني شياطين الرعب والقلق، كنت أهيم فيها على وجهي في شوارع المدينة، أسير بغير هدى، فكرة واحدة تسيطر على عقلي، هل حقا قتلت رئيسي في العمل؟ هل شنقته بحبل غليظ، وبيدي هاتين؟.. لا أنكر أنني تمنيت له الموت عدة مرات في السابق، فالدنيا بدون سماجته وفظاظته ستكون أفضل بأي حال! ولكنني لم أفكر يوما أن أفعلها بنفسي، أنا لا أجرؤ على ذلك ... أتسائل هل للوحة التي أعلقها على جدار غرفتي علاقة بذلك!؟ لقد رأيت رضوان الذهايبي يذبح على نسيجها، وذبح بالفعل بعدها، ورأيت رئيسي في العمل يشنق بحبل، وتحقق ذلك أيضا ... هل أكون أنا الفاعل في المرتين!؟ ... هل أكون قتلت الذهايبي بسبب مشادتنا بخصوص الإيجار!؟ وقتلت رئيسي في العمل لسخريته الدائمة مني وتعمده إهانتي أمام الجميع!

كانت شمس الصباح قد بزغت وأصبحت في كبد السماء، بالتأكيد لن أتوجه للعمل اليوم، أو لا أذهب إليه أبدا! ولكن ذلك قد يبذر الشكوك حولي أكثر، حسنا، سأتغيب اليوم، وأعود للعمل من الغد، وأتظاهر بأن شيئا لم يحدث ... أشعر بعطش شديد، لقد جفف الرعب حلقي، اقتربت من (كشك) صغير يبيع الجرائد والمرطبات، اشتريت قنينة من المياه الغازية الباردة، وأفرغتها في جوفي دفعة واحدة، وطلبت من البائع أن يعطيني واحدة أخرى، أخذت أطالع بناظري عناوين الجرائد والمجلات المعروضة في الواجهة، لفت نظري ذلك العنوان الذي يتحدث عن مقتل رسام في مرسمه وتشويه جسده بطريقة بشعة، التقطت الجريدة بسرعة وطالعت الخبر حتى وصلت لاسم القتيل، إنه (لعربي)، ذلك الضخم الذي جلبته (رانية) معها منذ أيام لفحص اللوحة، ولسوء حظه رأيت صورته بعدها على نسيجها، وهو يتعرض لهجوم من كائن متوحش يشبه الدب أو المستذئب، لقد ضايقتني صداقته (لرانية)، ولا أنكر أنني شعرت أيضا ببعض الغضب والحقد عليه!.. الآن الحقيقة أصبحت واضحة تماما لي، تلك اللوحة الشيطانية تلتقط مشاعر الغضب داخلي، وتحولها إلى صورة لحادثة قتل على نسيجها، حادثة تتحقق بحذافيرها بعد ذلك بساعات قليلة ... قادتني قدماي دون قياد مني لأجد نفسي أمام البناية التي أسكن فيها، لأصعد إلى غرفتي، وأولج المفتاح في قفل الباب بيد مرتعشة، وأفتح الباب، خطوت إلى الداخل فوجدتهم ينتظرونني هناك.

*

قال الدكتور (عبد الكريم )


- (فوجار ) هو رسام مجري من القرن السابع عشر، لا أدري هل كان سابقا لعصره، أو أن شيطانا كان يساعده في رسم تلك اللوحات، فهي كانت تحمل ذلك الطابع السيريالي أو كما يسمونه (الفوق واقعي) الذي لم يكن قد عرف بعد في هذا العصر ... كان من يرى لوحاته يتحدث عن تلك العوالم المرعبة والكيانات الشيطانية التي كانت تطغى عليها، وعن تلك الرعشة التي تنتابه، والكآبة التي تتملك وجدانه، والشعور المبهم بالرعب الحيواني الذي يسيطر على باطنه عندما يرى تلك اللوحات.

سألت (رانية) بفضول:

- هل رأيت بعضها؟

- لا لم أرى أيا منها ... فقط أعرف تلك اللوحة بسبب شهرتها، ولآن مالكها الأخير حكى قصتها والتقط لها بعض الصور.

- وكيف ذلك؟

ايتسم الدكتور (عبد الكريم) وهو يومئ برأسه متفهما لفضول رانية ورغبتها في معرفة المزيد، وهو يقول:

- لهذا قصة، إذا أمهلتيني سأقصها عليك باختصار.

- تفضل.

التقط الدكتور (عبد الكريم) شهيقا طويلا ملأ به صدره، ثم قال:

- بدأت القصة في قرية بهنغاريا الحالية التي كان يعيش فيها (فوجار)، وكما أخبرتك، كانت لوحاته تثير الفزع في روع كل من كان يشاهدها، أشيعت عنه إشاعات كثيرة، البعض قال إنه ساحر، أو شيطان أو إنه من نسل الشياطين، وغيرها من تلك الأشياء التي يفسر بها القرويون كل ما لا يستطيعون تفسيره.

توقف للحظة ثم أردف:

- الكارثة بدأت مع حالات الاختفاء التي انتشرت في القرية، أطفال، رجال، نساء، شيوخ، وكما هو متوقع أشارت أصابع الاتهام إلى (فوجار) مباشرة.


- وهل كان بريئا منها ؟

نهض الدكتور (عبد الكريم) من وراء مكتبه وأخذ يسير في الغرفة جيئة وذهابا، قبل أن يقول:

- لا على العكس، لقد كان هو الفاعل ... عندما فتشت الشرطة منزله، وجدوا جثث كل من اختفى أو ما تبقى منها.

بدا الإشمئزاز على وجه (رانية) وهي تتسائل:

- هل كان غولا يأكل لحوم البشر!؟

- لا ... كان يصنع ألوانا وأحبارا من دماء وعظام ضحاياه، ليرسم بها لوحاته الملعونة، يظن أنه بذلك يكسب كل لوحه من لوحاته روحا وحياة خاصة بها ... لقد كان مخبولا تماما.

- وماذا حدث بعد ذلك؟

- حاصره أهل القرية في منزله، وأحرقوه فيه، هو وجميع لوحاته.

صمت للحظة ثم أردف:

- في الرواية يتحدثون عن لعنة أطلقها في تلك الليلة، وعن صرخات وعويل شياطين انبعثت من داخل مرسمه، ويقولون أيضا أن تلك الأصوات كانت تنبعث من اللوحات نفسها قبل أن تأتي عليها النار.

ابتلعت (رانية) ريقها، وهي تقول:

- قصة مرعبة بحق، ولكن ماذا هذه اللوحة؟

وأشارت بهاتفها المحمول الذي يحوي صورة لوحة (مسعود)، فأجابها الدكتور (عبد الكريم):

- أدعى البعض أنها من لوحات (فوجار)، وأنكر الكثيرون ذلك لآنها لا تنتظم مع ذلك الطابع المخبول الذي كانت عليه لوحاته ... يقول مالكها الأخير، وهو رجل أعمال ثري، امتلك تلك اللوحة في ستينيات القرن العشرين، وهو من وثق تاريخها الأسود، وجرائم القتل التي أصابت مالكيها ومن حولهم، أن تلك اللوحة هي الوحيدة التي نجت من النار في تلك الليلة، وأن روح (فوجار) وكيانات لوحاته الشريرة احتجزت فيها، وهذا هو السبب في كون تلك اللوحة ملعونة، وتصيب من يمتلكها بتلك اللعنة.

- وماذا حدث لهذا المالك بعدها!؟

زفر الدكتور (عبد الكريم) زفرة حادة وهو يجيب:

- لقد كانت نهايته كنهاية (فوجار) تقريبا ...

حريق شب في غرفة مكتبه أتى على كل ما فيها، وعليه هو شخصيا، فقد عثروا على رفات جثته أو ما تبقى منها على مسافة متر واحد فقط من الجدار الذي كان يعلق عليه تلك اللوحة؟

- وماذا عن اللوحة نفسها؟

- اختفت ... لم يعثروا عليها في ذلك اليوم، وظن الجميع أنها احترقت مع الغرفة، واختفى أثرها من التاريخ طوال كل تلك الفترة، حتى ظهرت مؤخرا لدى صديقك هذا؟.. ماذا كان اسمه؟

- (مسعود)


يتبع ...

14 views0 comments