لوحة الشيطان – الجزء الأول

يتحدثون عن حيواتهم البائسة، ثم يتكلمون عن العائلة والأصدقاء الذي يشاركونهم أياها ... لديهم الثراء، والحياة الراغدة، والمسكن الراق، ثم يقولون أن السعادة لا تكمن في المال ... يعملون في وظائف محترمة، مجزية، ثم يتذمرون، ويتنابحون بأنهم ضيعوا أعمارهم في وظائف لا تليق بعبقريتهم ... في الواقع أنهم يمتلكون كل شئ، ومع ذلك تواتيهم الجرأة ليصرحوا بشكواهم علانية، ماذا تركوا لأمثالنا؟ لو كانوا يبحثون عن تعريف للحياة البائسة، فعليهم أن ينظروا إلى حياتي، أنا شخص في أواخر العقد الثالث من العمر، بلا عائلة، ولا أصدقاء، يحمل شهادة تعليمية متوسطة، ويعمل في وظيفة مهينة، مملة، بلا أي أمل في الترقي، يعيش في غرفة حقيرة على سطح بناية من عشرة أدوار بلا مصعد، يحمل ماضي ملئ بالبؤس، والكوارث، وحاضر مرير، ولا يرتجي شيئا من المستقبل ... هذه هي الحياة البائسة أيها الملاعين.

ها قد حلَّ الصباح فلننطلق

مسعود: أيها الجاهل، القهوة زائدة السكر، كم مرة قلت لك أنني أشربها بنصف ملعقة فقط ؟

- آسف يا سيدي!

حملت القدح، وتوجهت إلى المطبخ، وأنا ألعنه في سري، هذا الوغد يصر دائما على إهانتي أمام الجميع، ويجعلني أبدو كالأحمق ... تلك هي وظيفتي، عامل بالمطبخ في شركة للاستشارات الحسابية وأعمال التدقيق والمراجعة، أصنع مشروبات، وأجلب طلبات، ومأكولات لمجموعة من الموظفين، المتعالين، يرتدون البذل الأنيقة، ليخفون بها حقيقتهم السطحية، وشخصياتهم الجوفاء، والأسوء منهم طرا، هو رئيسهم اللعين، هذا الذي لا يستطيع أن يبدء يومه، دون أن يصيبني بلسانه السليط ... لا شئ جديد، أنه يوم آخر من روتين حياتي الكريه.

صنعت كوبا خاصا من (النسكافيه)، استخدمت فيه كل براعتي وخبرتي المهنية، صببته في كوب من الخزف، كان أبيضا وعليه رسمة قلب أحمر، يخترقه سهم (كيوبيد) اللعين، كان مناسبا تماما لما أشعر به في تلك اللحظة، وضعته فوق صفحتي النحاسية، عدلت قميصي الرمادي، وتأكدت أن شعري مصففا، ثم توجهت إليها، وضعته على مكتبها، لم تنتبه لي في البداية، وهي مستغرقة في العمل على تلك الجداول والمنحنيات البيانية على شاشة الحاسوب أمامها، كانت جميلة كعادتها، ملاك برئ، وسط طغمة من الشياطين القبيحة ... أخيرا، انتبهت إلى وجودي بجوارها، وتحديقي فيها، فقالت بصوت عذب، رقيق:

- مسعود: ماذا تريد؟

- النسكافيه: يا آنسه (رانية). - شكرا لك. تناولت الكوب من صفحتي النحاسية بيدها، ارتشفت منه رشفة واحدة، قصيرة، تركت شاربا أبيض دقيق فوق شفتيها، زاد من جمالها، أشارت لي بإبهامها دلالة على إعجابها بصنيعي، فأومأت لها برأسي، عادت لعملها لبضعة ثوان، قبل أن تنتبه إلى أنني مازلت متسمرا إلى جوارها، فعقدت حاجبيها بطريقة طفولية، محببة، وهي تقول بخجل: - هل هناك شيئا آخر يا (مسعود)! أعشق طريقة نطقها لاسمي، كانت تنطقه بطريقة تنسينى بها مدى كراهيتي له ولبؤسه الذي يحمله، هذا الاسم الذي يبدو كنكتة أو سخرية من حالي، قلت لها: - لقد اشتريت لوحة بالأمس. أعرف أنها تهتم بالفنون، أسمعها دائما تتحدث عن عشقها للفن بكل أنواعه ... زاد انعقاد حاجبيها وهي تتساءل في دهشة: - لوحة!؟ - أجل ... اشتريتها من معرض للتحف في آخر الشارع. قلتها، وأخرجت هاتفي المحمول لأريها صورة اللوحة الضخمة التي تزين جدار من جدران غرفتي الضيقة، فتأملتها للحظات بدهشة، قبل أن تقول بإعجاب: - إنها جميلة. صمتت لثوان، وهي تتأمل اللوحة بعين فنان، قبل أن تردف: - تذكرك بلوحات (فان جوخ) ... لم أكن أعرف أنك تهتم بالفن يا (مسعود). ابتسمت في بلاهة، وأنا أجيب: - وأنا أيضا. حدقت مرة أخرى في صورة اللوحة، ثم تساءلت: - إنها قديمة، تبدو لي كتحفة فنية، بالتأكيد دفعت فيها ثروة!؟ - بالعكس كانت رخيصة للغاية، شعرت أنني لو فاصلت قليلا مع صاحب المعرض، لمنحني إياها مجانا. - هذا معرض رائع، بالتأكيد سأزوره. مطت شفتيها، وألقت نظرة أخيرة على اللوحة، ثم أعادت لي الهاتف المحمول، وهي تسأل: - أي مدرسة فنية تفضل؟ - جميعها. أطلقت ضحكة مرحة، قبل أن تتساءل في دهشة: - تقول أن هناك معرض للتحف في آخر الشارع ... عجيب، كيف فاتني رؤيته!؟ في الواقع أنا أيضا لم أره قبل الأمس، رغم أن هذا الطريق هو طريقي إلى المنزل، أسير فيه كل يوم مرتين، قادما من المنزل، وعائدا إليه، قلت لها: - وأنا أيضا ... قد يكون افتتح مؤخرا. --------- ريف النمسا – نهايات القرن الثامن عشر نظر إلى صورته في المرآة الجدارية العملاقة ذات الإطار الذهبي ... تساءل، عمن يحدق فيه الآن عبر زجاج المرآة من الناحية الأخرى، هل هو نفسه!؟ أم هو شخص آخر أصابه الخبال فدمر حياته! ... إنه لا يستطيع التعرف على صورته فيها، لقد تغيرت ملامحه كثيرا، واختفت خلف إمارات الكآبة، والجنون ... لقد أصابته اللعنة، وهو يعرف مصدرها، وسيتخلص منها حتى لو كان ذلك آخر شئ يفعله في حياته ... نظر إلى فراشه، كانت زوجته مسجاة فيه على ظهرها، تحدق بعينيها المفتوحتين إلى سقف الغرفة المرتفع، وهناك خطوط وكدمات زرقاء على رقبتها، إنها آثار أصابع، أصابع خنقتها، واعتصرت رقبتها بجنون وحنق وانتزعت الروح من جسدها البرئ منذ دقائق قليلة قد مضت ... جلس على طرف الفراش إلى جوار جسد زوجته، أمسك بيدها يقبلها، ويتحسس وجهها البارد بيد مرتعشة، قبل أن ينخرط بحرقة في نوبة بكاء هستيري، وهو يردد: - آسف يا زوجتي الحبيبة. خرج من الغرفة بعد خمس دقائق، وهو يحمل عزما وإصرارا كبيرا على المضي فيما خطط له، كان القصر خاليا بعد أن هجره الجميع، أثر حوادث القتل المروعة التي حدثت في الأشهر الأخيرة في قصره، وضيعته والقرى المجاورة، وأشارت نحوه بأصابع الاتهام ... وحتى من آثر البقاء مع سيده، من الحرس والخدم الأوفياء، صرفهم هو بنفسه وطردهم من القصر، كانت زوجته هي الوحيدة التي أصرت على البقاء معه، ورفضت الرحيل رغم إلحاحه عليها، ورجاؤه لها بأن تذهب، فكان الموت هو جزاءها ... نزل الدرج بخطوات هادئة، كان قد ارتدى زيه الرسمي، ووضع سيفه في غمده، وعلق جميع نياشينه وأوسمته ... وقف للحظات يتأمل صورته الجدارية الضخمة المرسومة بألوان الزيت، تظهره في ملابسه الدوقية، وهو ينظر نحو السماء، تلك النظرة المتعالية، أطلق ضحكة ساخرة متهكمة، ثم توجه إلى القبو الموجود أسفل القصر ... يعلم أنها النهاية، الجميع يتحدثون أن الدوق قد أصابه الخبال، وبدأ يقتل حراسه، وأهل ضيعته، ساعات قليلة، ويجمعون شملهم وعزمهم، ويفيضون إلى هذا القصر يحركهم الغضب والكراهية وسنوات طويلة من القهر، فيحرقوا هذا القصر بمن فيه، ولكن قبل أن يحدث هذا، عليه أن يحرقها هي أيضا، أجل سيحرق تلك اللوحة الملعونة بكل ما تحمله من شرور وآثام. سار في السرداب الطويل المتصل بالقبو، حتى وصل إلى مجموعة من الزنازين، تلك التي كان يستخدمها في الماضي ليعذب فيها معارضيه وأعداءه، الآن هو يحتجز في أحداها تلك اللوحة الملعونة ... فتح باب الزنزانة بحذر، كانت اللوحة هناك في ركن من الزنزانة تستند إلى أحد الجدران الرطبة الصخرية، التي كانت شاهدة على العديد من جرائم التنكيل والتعذيب ... التقط المشعل المعلق على الجدار، وتوجه ناحيتها بخطوات مرتعشة، عليه أن يشيح بناظريه بعيدا عنها، فهو لا يأمن النظر إليها مرة أخرى ... وجه المشعل إلى نسيج اللوحة، ووقف يترقب أن تشب فيها النيران وتتحول إلى كتلة ملتهبة، فتلتهم النيران نسيجها، وشرها مخلفة بعض الرماد، ولكن هذا لم يحدث أبدا... نظر بعفوية، ودون قصد إلى اللوحة، فوجد أن خيوط النار تمتد من المشعل وتزحف عليها بنعومة، دون أن تحرقها، أو تترك فيها أثرا! إلا بقعة صغيرة من السخام في منتصفها، ألقى المشعل بغضب على الأرض، وأخرج سيفه من غمده، ورفعه تمهيدا لأن يمزق به اللوحة ... ولكن ما هذا؟.. لماذا تبدو بقعة السخام كأنها شكلا مرسوما ببراعة، لماذا تبدو كرجل في ملابسه الرسمية يرفع سيفه في عزم، والمرعب هو ذلك الوحش ذو قرنين، والرأس المستدق، والجسد العضلي العملاق، والأذرع التي تنتهي بمخالب طويلة مدببة، والذي يقف خلف ذلك الرجل متأهبا لافتراسه ... لماذا يشبهه هذا الرجل إلى تلك الدرجة؟.. فجأة يصل إلى مسامعه صوت خطوات ثقيلة تقترب من وراءه، لم يجرء على الالتفات، يعرف ما سيجده لو فعل ... وجه ناظريه إلى أسفل قدميه فرأى ظله، وظل ذلك الوحش العملاق، الذي رآه على اللوحة منذ ثوان، يسمع أنفاسه، ويشعر بلهيبها يحرق قفاه ... لقد قررت تلك اللوحة اللعينة التخلص منه أخيرا ... هي النهاية إذا، وعليه أن يأخذها معه ... أطلق صيحة قوية، وهو يهم بغرس سيفه في نسيج اللوحة، ولكنه لم يفعل!.. لم يفعل ذلك أبدا ... دوت صرخة متألمة، متعذبة، تردد صداها في سراديب القصر، لم يسمعها أحد بالطبع، بعد أن خلا القصر تماما من قاطنيه.

Moroccan Writers intellectual property ©

14 views0 comments