طريق الحج: قوافل وركبان على مر الزمان إلى أم القرى

سماوية أو وضعية كانت فإن العديد من الديانات تعتبر الحج للأماكن المقدسة طقسا مهما من طقوسها يسموا بالإنسان روحيا ويجعله يتحد والمقام المقدس. الدين المحمدي ليس بشاذ عن القاعدة، فقد اعتبر طقس الحج ركنا من أركانه الخمسة الأساسية وبارك كل من استطاع أن يتحمل المشاق ويأتي إلى حيث بيت إبراهيم وإسماعيل، إلى الكعبة حيث تهوى أفئدة المسلمين بكل أرجاء المعمور ومسلمي المغرب كانوا ممن يشتد شوقهم لشد الرحال إلى حيث الروضة المحمدية الشريفة والكعبة الطاهرة ليعودوا وقد عاشوا سفرا روحيا لا يُنسى. لم يكن طريق الحج سهلا فإن كان الطواف، السعي، الوقوف بعرفات وغيرها من المناسك تذكر الناس بيوم الحشر حين يجتمعون من أقاصي الأرض، علا التراب وجوههم والخشوع عيونهم، حفاة شبه عراة لا ظل يظلهم ولا ملجأ يأويهم، فإن الطريق لتأدية هاته المناسك كان كسلك الصراط لما في هذا السفر من مشاق ومخاطر. على مدى قرون، كان معظم المغاربة يسافرون فرادى للحج، قد يعودون وقد لا يعودون، قد تأتي أخبارهم وقد يفقد أي أثر لهم وخلال سنين الاضطرابات السياسية فإن الفقهاء يفتون بسقوط الفريضة على المسلمين لما في ذلك من تهديد لحياواتهم.. بقي الأمر كذلك سنين عديدة إلى أن انطلق أول ركب للحجاج من حاضرة المحيط آسفي على يد محمد أبي محمد صالح الماجري في عهد الدولة الموحدية.

الركب الصالحي:

"إن أقبل الركب المعرس بالحمى فلا الصبر يبقى لي ولا عبرة تجدي"


أسسه أبي محمد صالح الماجري وهو صوفي مغربي اشتهر بالدعوة للحج وزيارة قبر المصطفى، الشيء الذي جعله ينظم أول ركب منظم ينطلق سنويا من المغرب إلى مكة.

كان الركب ينطلق من حاضرة المحيط آسفي وبالضبط من شارع الرباط الذي أطلق عليه هذا الاسم بسبب وجود رباط الشيخ أبي محمد فيه ومن زاويته كان ينطلق الركب.

من آسفي إلى تامسنا ومنها إلى تلمسان وملينة بالمغرب الأوسط ثم إلى القيروان ثم طرابلس ومنها للإسكندرية ثم القاهرة و من أرض الكنانة نحو الحجاز حيث تشتد الرحلة ويقل الزاد قبل بلوغ المراد و الوصول إلى مكة أم القرى.

أولى الشيخ صالح كل العناية لهذا الركب ورافقه طيلة حياته، أنشأ الرباطات بالطريق (حوالي 18 رباطا بين المغرب والمشرق) تكلف بها أبنائه وحفدته حتى أن كل حاج مغربي ولو لم يرافق الركب يجد بالمراكز العناية والاهتمام في الإياب والإياب وأشهر الرباطات هما رباط الإسكندرية و رباط دكالة بالمدينة المنورة

كان لتأسيس الركب الأثر الإيجابي على المغاربة الذين كثر عدد حجاجهم بعد أن انفسحت الطريق أمامهم وصارت أكثر أمانا، فصار العلاقة بين المشرقي والمغربي أكثر تقاربا.

للركب الأثر الكبير في تأسيس باقي القوافل المتجهة لمكة ولعل أبرزها وأشهرها هو الركب الفاسي الذي عوض الركب الصالحي في عهد بني مرين.

11 views0 comments