طريق الحج:الركب الفاسي

"جهزت و عولت للسفر من فاس لمكة و صرت عازم ببتارة نزور سيد البشر"

الركب الفاسي هو ركب الأمراء و الأميرات الذي حفه السلاطين بالهبات و حملوه بالعطايا للحرمين كما أنه منذ عهد المرينين فالركب الفاسي كان يحظى بعناية خاصة و نورد هنا الإعانات المادية و الوفيرة التي جاد بها أبو الحسن المريني على الركب الذي توجهت فيه أخته لالة مريم المرينية كذلك سيدي محمد بن عبد الله العلوي أنفق على غير واحد من الحجاج ذهابا و إيابا متبعا بذلك سنة مولاي الرشيد بن الشريف الذي أسس أبارا في طريق الركب بمكان اسمه الشط ببلاد الظهراء و كانت الآبار تعرف بآبار السلطان و ما أعظم هذا الوقف للسلطان الذي ظل محطة تزود للمياه في قلب الصحراء ويجرنا الحديث على الوقف إلى أرض محبسة على إبل الحجاج تعرف بحاجة و كانت قرب باب الفتوح.

الركب الفاسي يسير وفق تقاليد و نظام محدد فهيأته العليا تتكون من شيخ الركب و و أمير الركب الذي جرت العادة زمن العلويين أن يكون الأمير من أهل فاس و يكون من علية القوم كما يختاره السلطان بنفسه ثم قاض و قائد بالركب ترافقه حامية و غفير يسمى الزطاط أو الدويدر معه العلام أو المخبر الذي يتكلف بحمل الأعلام التي كانت بمورستان سيدي فرج هي و طبل النحاس باعتبارهما من الأوقاف.

تميز الركب الفاسي ,كما أسلفنا, بأنه ركب الأمراء و الأميرات فإضافة لأهل فاس و باقي الأقطار فالركب كان يتشرف بالمرافقة الشريفة لصاحبات الصون و العفاف الأميرات الشريفات للدولة المغربية و منهن الصالحة مريم المرينية التي حجت سنة 1338 ابنة السلطان عثمان بن يعقوب المريني و هي من أعظم الرحلات التي تحدث عنها العرب و الغرب معا فقد كانت تحمل هدية فريدة إلى المسجد الشريف لم يعرف التاريخ مثلها لملك من ملوك الإسلام إذ أن العاهل المغربي أبو الحسن نسخ بيمينه نسخة من القران الكريم برسم الوقف الخالص للمسجد النبوي فقد جمع الوراقين لتنميق النسخة و تذهيبها كما صنع للمصحف ظرفا من الأبنوس و العاج و الصندل من فائق الصنعة كما غشي بالذهب و رصع بالياقوت و اتخذت له أصونة من الجلد المتين المرقوم بخطوط الذهب و فوقه غلائف الحرير و الديباج كما زود هذا الركب الشريف بأموال لشراء ضياع بالمشرق وقفا على من يتلون القرآن. تلت هذا الركب ركب أميرة مرينية أخرى اسمها لالة مريم أيضا رافقتها خيرة الأميرات والمحظيات سنة 1345 أما سنة 1742 فكان الركب مرفوقا بالملكة لالة خناثة بنت بكار المغافرية جدة العلويين وهو ركب خرجت نساء طرابلس لرؤيته ورحبن بالملكة التي اشترت دار ووقفتها على من يتلون القرآن بمكة المكرمة. وغير هاته الركائب الكثير التي كانت تحفها الملائكة للسير إلى البقاع المقدسة بشوق عظيم وبهبات أعظم تسمى "الصرة الفاسية" التي تضم هدايا السلاطين والملوك مع هدايا الأعيان و أهل فاس لخدام الحرمين الشريفين كما أرفق السلاطين الركب الفاسي برسائل توصية لخادم الحرمين الشريفين حتى يعتني بالحجاج المغاربة و رسالة أخرى للحضرة النبوية الشريفة تتضمن أدعية و رسائل مهداة لروح رسول الله صلى الله عليه و سلم يتضرعون فيها إلى الله بحل أزماتهم و فك كرباتهم بجاه النبي العدنان محمد خير الأنام.

أواخر شهر ربيع الأول المعروف بشهر "الميلود" يبدأ خطباء المساجد في الدعوة إلى زيارة البقاع المقدسة و التشويق إليها كما يعلن المنادون عن تاريخ خروج الركب الذي يكون عادة عند نهاية جمادى الثانية بالضبط في السابع أو الثامن و العشرين منه و كان يخرج من باب الفتوح و ينزل بمكان يسمى ولجة العسال بارزا في هيئة بديعة تتزاحم الرقاب لترى الأخبية و القياطين التي تدق فيها الطبول و تظهر فيها الزينة لتشييع ركب الحجيج تشييعا منقطع النظير قد يحضره السلطان و حاشيته أما فاس فقل من يبقى فيها إذ أن الكل يخرج لتوديع الركب بالدموع تشوقا لزيارة البقاع الطاهرة أو بالزغاريد فرحا لسفر عزيز إلى لالة مكة.

لك أيها القارئ العزيز أن تغمض عينيك و ترهف سمعك ليصل إلى أذنيك صوت الطبالين و زغاريد الحاضرات ستظهر لك عندها صورة ستتمنى لو أنك شاهدتها حقيقة لمجموعة إبل فوقها هوادج مزينة أو أمتعة مغطاة يجرها رجال أغلب لباسهم الأبيض يودعون ذويهم و أهاليهم للقاء أهل مكة غير مبالين لا بمشقة السفر أو مخاطر الطريق إنها للوحة عظيمة بحق تختزل كل الحب و الشوق للأراضي المقدسة أيام كان الحج شرفا ما بعده شرف يصبح معه الحجاج كالمجاهدين.

بمرتفعات تازة يكون هلال رجب واضحا للركب الذي يتوجه إلى صحراء الجزائر أين يلتقي بالركب السجلماسي و منها إلى تونس و طرابلس ليصل أخيرا إلى القاهرة ,في شهر رمضان أو بعده, و يمضي فيها شهرا بين زيارة قبور أهل البيت كالسيدة نفيسة و الحسن و بين الاحتكاك مع علماء الأزهر أو بالتجارة بالخانات و غيرها من الأعمال التي فضل بعض المغاربة الإكمال فيها بعد الحج عندما قرروا الاستقرار بمدينة القاهرة المحروسة كما هو الحال بالنسبة للشرايبي و غيره ممن أصبح لهم شأن بالقاهرة و تولوا مناصب تجارية هامة كشهبندر التجار.

أعظم احتفال يشهده الحجيج المغاربة هو حفل المحمل الذي يشاركون فيه بمسك أحد أطراف كسوة الكعبة تبركا بها و يطوف المحمل الأسواق و الشوارع في أبهة عظيمة وصفها كل من مر بالقاهرة في طريقه للحج و من عادة موكب المحمل أنه إن صادف أحدا يدخن يبرح ضربا لعدم احترامه مرور كسوة لالة مكة التي كان للأمراء و الأعيان المغاربة نصيب منها فكل سنة بعد تغيير الكسوة تؤخذ الكسوة القديمة و يعطى منها طرف للعديد من الأشخاص منهم الأمراء و الأعيان أو حتى العوام ممن لهم نصيب من هذا الأثر المبارك العظيم و قد أحضر الركب الفاسي غير ما مرة طرفا من الكعبة الشريفة أو من كسوة مقام إبراهيم التي وضعها سيدي محمد بن عبد الله بصالة البرج البحري بصقالة الصويرة مدة من الزمن. لنا أن نشير هنا أن الهودج أو المحمل المصنوع من أجود الخشب يكون فارغا ويحمل فقط لما له من مكانة روحية إذ أن أول من خرجت به هي شجرة الذر، أما الكسوة فتوضع في صناديق تحملها الجمال مرفوقة بالجند وأصحاب الطرق الصوفية يذكرون ويرفعون الرايات.

سواء على الطريق الساحلي أو الداخلي بالطريق من مصر إلى مكة كانت تعرف بالصعوبة والمشقة بما أنها كانت قفرا وبيداء رغم تسهيل الملوك للعقبات وبناء المحطات و المساجد و الآبار إلى أن يشرفوا على مكة ومسجدها يطوفون و يلبون ملتقين بحجاج من الشام و بلاد الرافدين، من مالي و شنقيط، من فارس و بلاد الأناضول الكل في لباس الإحرام يسعى و يلبي تزدحم الأكتاف و تتسارع الخطوات في مشهد قد يشبه يوم الحشر حيث اللباس الموحد و كل امرئ مع أعماله. لنا أن نذكر أن أمراء مكة كانوا يثقلون على الحجاج بالمكوس وخارج الحرم كان الأعراب يهجمون على المتوجهين للمدينة إلا أن ذلك لا يغير شيئا في حب أهل البيت والبقاع المقدسة.

مع انتشار الوهابية بالحجاز فإن تعظيم أهل البيت بتلك البقاع قد أصبح حراما وهو ما لم يستسغه المغاربة والمصريون الذين فطموا على حب أهل البيت وتعظيم أضرحتهم خاصة تلك المنتسبة لبيت الزهراء وعلي رضي الله عنهما لذلك فإن معظم الحاجات كن يصدمن عند عدم رؤية و لا أثر للالة فاطمة الزهراء و هن من قدسنها منذ صغرهن.

بعد أداء المناسك من سعي بين الصفا والمروى و وقوف بعرفة إلى زيارة القبر النبوي الشريف فإن الحجاج يقضون بعضا من الأشغال الدنيوية كالتجارة و شراء ما يحتاجون أيضا ليتوجهوا بعدها إلى طريق العودة و من الحجاج من كان يتوجه لبيت المقدس بفلسطين لزيارة المسجد الأقصى. كما هو الذهاب فالإياب شاق أيضا وكله مخاطر إلا أن الطاقة الروحية التي كانت تحف بالحجاج تجعلهم يجاهدون الصعوبات والعقبات إلى أن يصلوا إلى المحروسة ومنها إلى المغرب العربي حتى يدخلوا تازة فيرسلون البشير الذي يطوف بفاس ويخبر أن الركب وصل سالما غانما ويخبر بموعد وصوله الذي تستعد له المدينة كاملة بالاحتفالات فرحا بعودة الحجاج الذين يعودون مشرقي الوجه يزيدهم بياض الملابس شرفا و هم من نالوا الحظوة و زاروا أشرف البقاع. يكون الاحتفال بالعودة أكبر وأفخم فبعد أن يدخل الحاج إلى منزل تبدأ وفود المهنئين بالتقاطر عليه متبركين منه ومتشوقين لسماع حكاياته عن أهوال الطريق وما لاقوه بلالة مكة و شعابها أو بمصر و أرباضها.


9 views0 comments