زنازينُ موبوءة

Updated: Aug 4, 2021

الثالثة زوالا إلا بضع دقائق انتصف آذار ومر يوم على ذلك، لا زلت أتقلبُ في مضجعي وأحاول مواساة جرحي الغائر الذي تعفن مع الزمن، انتهى بي المطاف محملا بأوزار من الأسى والكراكيب القذرة، أوزار ليس لي فيها ناقة ولا جمال بل ولا دخل لي فيها لكن كتِب عليَّ هذا الذي أنا بصدده، شقوق غائرة تنزف دما زينت قلبي ولونته بمثالية لستَ تجد لها وصفا، وجهي يعج بتقاسيم وملامح تسبب المبعثَ الجادَّ للقلق بل وتبعثُ الرهبة في النفوس.

في مسرحية القدر تم اختياري حتى ألعب دور المُهرج الذي يُضحك الناس من حولِه لكن قلبهُ عامِرٌ بانتكاسات أقل ما يقال عنها أنها تنسف العقل وتردي بالمشاعر تتخبطُّ أرضا، أراني كشمعةٍ تضحي بنفسها فتذوب رويدا رويدا فقط بغية أن تضيء ما حولها، معبدُ قلبي يتوسطه مِحرابٌ اتخذ فيه مُقعد الصدر داخلي الحزن دينا والبكاء شريعة وسنة، دموعه ينبوعٌ لا ينضب ولا يَجِّف بفعل الزمان والمكان بل إنهُ يتحيَّن الفرصة حتى يُسمِعَ نحيبه لكل من حضر، مُقعد الصدر داخلي ارتدى الأسود حدادا على عنف الأيام وألاعيبها القذرة بل وتزين بلالئ الغُصة والنكد، نحيبه المتواصل نشازٌ قاتم ورهيب يعكر صفو حياتي ويزيد من حدة لوعتي بل ويربك الأحداث مسيرها، ألمهُ الذي لا يُزال ولا يزول كدَّر راحتي ورغدي بل وسبب لي متاعبَ بالجملة، في حقول قلبي التراب لا يصلح لشيء والغيثٌ إما منقطِع أو يأتي كمطر جارف بل والغيوم داكنة رمادية تفوح برائحة الموت وصوتها صدى لا يغادر صِماخ الأذن إلا بعد أن يُحدثَ الرعب والرهبة.

سير الأيام ينكأ واقعي ويودي بي نحو الهاوية أو التلاشي بل هما معا، أجده كزوبعة تعصفُ بسريرتي وتخسف باتزاني فينتهي بي الحال متمعجا أرقص بزهو وأتمايل بانتشاء، أعاشر الليل والأرق وأقنعهما بأن يسكناني باستمرار ما دمت بهما أحيا وفيهما أجد ضالتي بل وأزيد من جرعات الهوس والهلوسة فأنتشي ناسيا بذلك الواقع المرير، في الليل كما في النهار تقفز إلى ذاكرتي مئة فكرة يستحيل معها العيش والمواصلة، لا تندثر ولا تتلاشى بل تقف في الحلق كالعلقم المر، أكاد أُجن من فرط التفكير بل وتحتلني الأحداث فلا تنفك سوى أن تعصِف بي وتعصرني في دهليز ضيق تتكسر فيهِ أضلعي وفقراتي.

لم يكذب فان جوخ حينما كتبَ في رسالته الوداعيةَ أن العقل يُفقِد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة، العقلُ جامح ومريب بل ويحب ذلك النوع من التفاصيل والذكريات الدامية التي تحفر في القلب حفرا وتجرح الشعور كبدٍّ ليس منه بد، العقل مُستشعِر ذكي ويجعل القلب يتفتتُ حطاما فيصير منهكا وعاجزا ثم يرسل له زنازين موبوءة تضخ فيه طاعونا يذيقهُ أقساطا من العذاب الدنيوي، يذكرني هذا بأبيات كتِبت في هذا الصدد بقلم الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي حينما قال:

أودى بي الحزن واغتال الجوى جلدي

وفرق الشجو بين الروح والجسد

واستهدفتني ظروف الدهر راميةً

تصوب النبل نحو القلب والكبد...

21 views0 comments