رصاصة دون عنوان

دعيني أقول لك... دعيني أكتب لك... دعيني آخد من وقتك بينما تقرئين لي... لم أكن اود الكتابة الآن، كنت أفكر بخط شيء ما بعد منتصف الليل لكن الشغف يأتي بلا خبر ولا إشارة، يأتي فقط ويقول لك أكتب ما سأمليه عليك... فماذا عساني أفعل؟ لا يمكنني أن أرفض... آخد الهاتف فأفتح لوحة المفاتيح وتبدأ يدي بتلقي الأوامر متجولةً في ساحة الحروف بل وتبدأ برمي الكلمات، الكثير من الكلمات، وهذا دون احتساب الميتة منها تلك التي يتم إعدامها فورا فترسل للعدم، في حال ما لم يوافق عليها الشغف... فهو متقلب المزاج وما يعجبه قبل خمس ثواني يمكن أن يرفضه بعدها بكل بساطة دونما رأفة بالسياق والصياغة... هكذا تسير الأمور... في النهاية ليس هناك موضوع محدد أريد الكتابة عنه، ما أريده حقا هو ان أكتب دون توقف، وإن سألتني الآن وأنت تنظرين لهذا النص وتدققين فيه ستقولين:

- ماذا تفعل؟ وماذا تظن نفسك فاعلا من خلال تمطيط الكلمات بهذا الشكل؟ إن لم تستطع الكتابة عن شيء ما ونفذت منك الافكار هكذا، فقط توقف عن الكتابة لما تستمر بنقر الحروف...

لا أدري لما أفعل ذلك، لا أستطيع التوقف، أحاول إيجاد شيء ما وأنا أكتب الآن، أفكر في نفس الوقت لعلي أهتدي لنقطة ما أنطلق منها فأحول هذا النص من عالم لآخر وفجأةً،بل ولدرجة لن تشعري فيها بذلك الاِنتقال الفكري، فقط كرصاصة من الخلف تخترق دماغك فلا تدرك متى كنت حيا فصرت ميتا في ثانية! لم ترى فيها حتى الرصاصة التي أخذت منك حياتك، والواقع أن تأخذ مسدسا فارغا فتحشوه بذخيرة من الرصاص وتضع كل رصاصة في مكانها واحدة بواحدة، يخلق داخلك شعورا عظيما! أن تكون على بعد خطوة من الضغط على الزناد وإرسال رصاصة بدون عنوان نحو أحدهم هو حتما أمر رائع... بالحد الذي هو رائعٌ مريع في الآن ذاته، أن تطلق رصاصة تجاه أحدهم فأنت تطلق الوحش الذي بداخلك أيضا بل وبعض المشاعر المكبوتة...

دعينا لا نقل وحشا بداخلك، يبدو الأمر مبتذلا ومملا لذا فلنقل أننا نطلق الذئب الذي بداخلنا، أرى أن فكرة العواء فوق قمة ثلجية بل وخلال ليلة قمرية يخترقها صوت رصاصة مدوية غاية في الرومانسية، إنها عملية صيد بشرية بنكهة -حيوانية- فقد كنت سمعت أنه في العصور الوسطى، شاعت بين الاوروبيين من الطبقة البرجوازية قتل الفقراء باعتبارهم -حيوانات- أيضا، بل لا يختلفون عنها إلا قليلا في الشكل، وقد كانوا يشترون بعض العبيد ويطلقونهم في ضيعاتهم أو منازلهم الفخمة التي تقابل الغابة ثم يصوبون عليهم بالبنادق ويقتلونهم في ليلة قنص آدمية، كان ذلك طقسا شائعا بينهم لكن بشكل سري فالكنيسة حرمت آنذاك مثل هذه الممارسات المريضة، وبعد مرور ست قرون غالبا لا أظن أن هذا الطقس قد اختفى تماما، أشعر بإقامته في أماكن أكثر سرية غير أنه تطور هو الاخر ما دام عصر العبيد قد انتهى... أفكر أن جلب الضحايا لهؤلاء المرضى يتم بطريقة لستُ أدري كيف... لكني على الأقل أدري كيف أنني ختمت كتابتي بشكل مختلف عن البداية أو عما انطلقت منه كرصاصة لا تعرف العنوان...

1 view0 comments