حبٌّ من رحمِ الأنقاض الجزء الثاني

أشرقتِ الشّمسُ بنورها البهيّ، وغرّدتِ العصافيرُ سيمفونيّتها المُطربة، وحلّقتِ الفراشاتُ تسابقُ أطيافها في الفضاءِ، وداخلَ منزلٍ يعبقُ برائحةِ الخبزِ الطّازجة، والدفءِ المنثور، والحبّ المغمور، استفاق أسامة على وقعِ خطواتِ أقدامٍ تقتربُ منه، ليسمعَ نبرةً أنثويّة رقيقة تحيّيه بحياءٍ، دُهشَ ممّا سمِع وظنّ أن الأحلامَ امتزجت بواقعهِ، لم يكن متأكّداً من كونه استيقظ أم ما يزالُ غارقا في أحلامه، لكن هذه المرّة وبعد أن تكرّر الصوتُ مرّة أخرى بالسّؤال عن حاله، هنا انقشعت غمامةُ الشّكّ، وانتثرت حبّات اليقينُ متلألئةً في عينيهِ حينَ أبصرَ صاحبة الصّوتِ تقفُ بثباتٍ جانبه. ابتسم ثغرُها وهي تُعرّف بنفسها: "مرحبا، اسمي جاردينيا. لقد أحضركَ أبي مساء مغشيّا عليك، كنتَ مختبئا مع البضاعة في شاحنته، ونظراً لنقص الأوكسجين داخلها فقد فقدتَ وعيكَ إلى أن عثر عليكَ أبي". ودّ أسامة لو أنّ الأرضَ انشقّت وابتلعته، كان هدفه الاختباء إلى حين تجاوز الحدود، حينها كان سيتسلّلُ خفاءً ويسيحُ في الأرضِ فرحاً بعد أن تكلّلت تجربته أخيرا بالنجاح، لكنّ القدرَ حالَ دون ذلك. خفضَ رأسه مطأطئا وخانته الكلمات، فلم يعرف ما يقول، أحسّت الفتاة بتوتره فنطقت مطمئنة إياه: "ليس عليك أن تخجل مما قمت به، هذا وطنك وكلّ ما فعلته هو العودةُ إليه." باغتهما صوتٌ ثالثٌ بالتّحيّة من الخلف، فإذا به والد الفتاة، رجل خمسيني تبدو على سماته علامات الوقار والرزانة، اختلط الشيبُ بشعر رأسه فأضاف لملامحهِ هبةً وحِلماً. هنا انسحبتِ الفتاة بخجل، وبقي أسامة والشيخ حافظ معا، نطق أسامة معتذراً عن فعله المتهوّر الذي قام به، والذي كان من الممكن أن يسبّب مشاكل لا تحمد عقباها لو أن الجند الإسرائيلي عثر عليه مختبئا في الشاحنة. طمأنه الشيخ حافظ أن هذا عمله منذ سنين، وقد اعتاد الجند على مروره المستمر من الحدود، كما أنهم حفظوا وجهه وملامحه فلم يعودوا يكترثوا لتفتيشه، خصوصا في الأوقات التي توافق أعيادهم الدينية، ثم أكمل:"إنهم يا ولدي مثل الكلب إن تحمل عليه يلهث، وإن تتركه يلهث؛ فهم لا يتخلّون عن لهاثهم خلفنا إلا إذا شغلتهم طقوسهم عنّا" تابع الشيخ حافظ كلامه متسائلا: "إنك شاب في مقتبل عمرك، وأمامك فرصة لتعيش حياتك في هناء ورغد، لم عدتَ إلى أرضٍ أنهكتها الحروب، وسُلب منها الأمان، وأزجيت في قفص الاحتلال، بينما طوّقتها الألغام والفخاخ؟"

أجابه أسامة: " تركتُ وطني مُرغما، ولا أرى بعد أن أودعتُ فيهِ ذكريّاتي وفؤادي، وودّعتُ في ترابهِ أحبابي ورفاقي، أن أتخلى عنه حين لم يتخلَ عني، حين وهبني الشجاعة والعِزّة، وعلّمني الصبر على الحزّة، لقد كنتُ بعيداً عنه بينما كان قابع داخلي، لم يغننِ ترابُ الأوطانِ عن ترابهِ وأنا المغتربُ، ولم أنعم بالهناء بين كفوفِ الرّاحة وقلبي مُعلّق به. كانت العودةُ إليهِ أملي حين فقدت الأملَ، وعزائي حين فقدتُ أمي وأحبابي، وهنائي حين رأيتُ الأوطانَ هانئةً بينما تركته خلفي يعاني الاضطهاد والاحتلال، أنا ابن ترابهِ، وبذرة أبنائه وبناته، وثمرةُ تضحيّاته ومعاناته، من العار أن أعيشَ في أمانٍ بينما وطني يجابهُ الاستعمار. لن أرحل منهُ إلا شهيداً".

6 views0 comments