حبٌّ من رحمِ الأنقاض الجزء الثالث و الاخير

ضمّه الشيخ حافظ إليه وقد ترقرقت دمعة من عينيه أحيت ما اعتلجَ بداخله من وطنيّة وحبّ لأرضه، وافتخار بشبابه الصّامد المكافح. مرّت الأيّام، وما لبثت أن توطدت علاقة أسامة بالشيخ حافظ وأسرته، كان بمثابة الابن البار بهم، عوّضه دفء أسرة الشيخ حافظ عما حُرمَ منه من حنان الأب والأم. كان قلبه آيلا للانجراف بعد أن سالت منه أودية الحرمان، وطاف به سيلٌ جارفٌ من المعاناة، وصار الحبّ في قلبه هشيما تذروه رياحُ الخوف من الفقدان، لكنّ حكمة الله تسير على خلقه أجمع؛ فسبحان من يحيي العظام وهي رميم، ثم يكسوها لحما فينفخ فيها من روحه لتصير جسدا ينبض بالحياة، يقول للشيء كن فيكون. فبعد سنين من الجفاء، أُشعل فتيل الحب في قلبٍ فُقِد منه الأمل، ونبضَ بالعشقِ لاسم حُفِرَ في الفؤادِ كرمزٍ قديمٍ منقوشٍ على الحجر.بعدَ طولِ تكدّر وعناء لابدّ أن يقبل الصّفاء، ولن تبرحَ الشّقوة مكانها إلا وقد انحنت إجلالا للنّعيم، ولابد أن تنقشعَ غمامة الحزنِ عن أسوارِ القلبِ وقد أحاطتها السّكينة من كل حدبٍ وصوب. ذاكَ القلبُ العليل أصبح معافى سليماً، نمتْ فيه بذورُ المشاعر الطاهرة، بعد أن سقاها النّبضُ شراباً خالصاً سائغا ينتشي الرّوح، ويشفي الجروح، وبه الوجه يغدو صبوح.

بدت مشاعر الحبّ ظاهرة متجلّية للعيان على ملامح العاشقين، وقد فضحهما لمعان العينين، وتبسم الثغرين، واحمرار الخدّين، وارتعاش اليدين، وخفقان القلبين، واضطراب الجسمين أثناء ذكرِ اسم أحدهما على لسان الآخرين. هنا رأى الشّيخ حافظ أنه من الصّواب والحكمة الجمع بين هذين العصفورين قبل أن يرهقهما وصب البعد، تمّت الخطبة وأثناء الـتحضير لعقد القران وقعت انتفاضة حي الشيخ جراح التي قلبت موازين الهدنة في شهر رمضان المبارك، مما جعل الشباب والرجال والنساء يقفون وقفة شموخ في وجه الاحتلال الذي سلك سبلا ملتوية واضطهادية في حق المرابطين في ساحة المسجد الأقصى، وكذا في حق السكان القاطنين في حي الشيخ جراح، اضطربت الأوضاع بشكل لا يحتمل، وبدأت الاعتداءات المتتالية على الشعب الفلسطيني أجمع دون تمييز بين طفل وامرأة، شجر وحيوان ومسجد، كان القصف شاملا كعاصفة تنزل بمكان فلا تبرحه إلا وقد أتت على كل شيء.في هذه الفترة تلخبطت الأوضاع ومع توالي التفجيرات لم تكن جاردينيا تعلم خبرا عن أسامة، مرّت الشهور ثقيلة على قلبها، تتآكل نفسها خوفا وقلقا عنه، تبحث بين الركام والجثث، وبين الجرحى والمفقودين، دون فائدة ترجى. لم تعد الانتفاضة محصورة على الشعب الفلسطيني وحده بل أنها شملت الدول العربية أجمع، والعالم الإنساني ككل، وقوفا ضد المجازر التي ترتكبها إسرائيل والضغط الذي تمارسه على الشعب الفلسطيني، تم سحب وثيقة تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإعلان القطيعة والعداوة التامة معها من لدن الدول العربية أجمع، مع إعلان الحرب ضدها إذا ما استمرت في ضغطها المستمر على الشعب الفلسطيني وتطاولت على حرمة المسجد الأقصى، ولم تتراجع عن اعتداءاتها المستمرة ضدهم. كان الاتحاد بين العالم العربي والمسلمين وقوفا ضد العدو المستعمر المحتلّ نقطة تغيّر شامل، ودحض تام للمقولة الخالدة "اتفق العرب ألا يتفقون" ليُرفع شعار مقولة حديثة ستظل خالدة "اتفقت الإنسانية على رجم العنف والاستعمار، ووأد الطاغية المستعمر تحقيقا لبنود معاهدة العدل، وتطبيقا لعقوبة الحد التي يفرضها القانون الإنساني ضد الطغاة المستبدين".

يرقد الشّهيد الذي ضحى بحياته ضد الظلم في جنات الفردوس خالدا فيها آمنا مطمئنا، وينبت الشجر، وتكبر البذور ليثمر الثمر، تشرق الشمس معلنةً عن قدوم صباحٍ جديد تحت إيقاع دندنة العصافير وخرير المياه، تطلق النساء زغاريد المسرّات، ثم ترتفع الأهازيج معلنة عن بزوغ الحق وسقوط الباطل في غيهب النسيان، خلف كل هذا يعود الغائب ليثلجَ قدومه قلبا ينبض بحبه، ونفسا يختنق بغيابه، لتكتمل الفرحة وتصير فرحتان، فرحة التحرر من أسر سنين، وفرحة الارتباط بشخصٍ نُقِش اسمه في القلب، وأُسِرت تفاصيل ملامحه محفوظة في عيونِ محبوبته، بينما توهجّت الروح بالاكتمال به، نورٌ لا يُرى بعده ظلام، وارتباطٌ لا يحِلّ بعده فراق.

تُعانقُ السّماءُ غيومها، ويضمّ الثرى بذوره، ويحتوي البحر سكانه، ويسعدُ الوطنُ بأبنائه المخلصين، وترقى الأمة إلى مراتبِ التعاضد الأخوي، ولا يهنأ الحبيبُ إلا بعد توقيع الميثاق المقدّس الذي يجمع بين اسمه واسم محبوبته، فتنتهي الأحزان، وتُرفعُ راية العدالة مرفرفة في الأفق، وبالتقاء الثغرين في اللثمة الأولى يخفق القلبين، وتدخل الروح في احتواء أبدي.

9 views0 comments