حبٌّ من رحمِ الأنقاض الجزء الاول

Updated: Oct 7, 2021

"رافقتُ أحزانَ الماضي مكبّلاً، تسوقني لمستقبلٍ أجهلُ كُنهَ تفاصيله، ولستُ أخمِّنُ إلاّ في سبيلِ الخلاصِ من قيودٍ تأبى إلاّ الإحاطة بي وتطويقَ عنقي، لتذُّلّني وتنصهرَ لعمقي."

بعد قراءةِ هذه الكلمات، طفِقَ أسامة يخصِفُ عليهِ ذكرياتِ ماضٍ أليمٍ، كأنّه شوكٌ يشاكُ به فؤاده. عادت به الذّاكرة أدراجاً للوراء، تصبُّ عليهِ جحيمَ الألمِ بلا هوادة، فما شعرَ إلاّ وقد ضمّ يديهِ إلى صدرهِ من شِدّةِ ما تذكّر. أنّى للمرءِ أن يكونَ خارجه وسطَ شعاعٍ من نور، بينما داخلُه قابعٌ في غيهبٍ ديجور. كانت أصداء الرّصاصِ تصدحُ في رأسهِ، بينما تتردّدُ تفجيراتٌ متتالية للقذائفِ والقنابلِ كأنها قيامُ الساعة، لا يرى حولهُ إلا جثثاً هامدةً تغطيها الدمّاء، وأحيانا تمرّ ببالهِ صوراً راسخةً لشهداءَ فاضتْ أرواحهم إلى بارئها نقيّةً طاهرةً بعدَ أن ذاقت من الحياةِ وبالاً لا يطيقهُ جبلٌ، ولا يقدرُ عليهِ جبانٌ.في كلّ مرةٍ كانَ يتساءلُ عن أحوالِ أولئكَ المعذّبينَ في وطنهِ؛ الذين شرّدهم الاحتلال من بيوتهم، وأخرجهُم من دفءِ سكينتهم إلى زمهريرِ المعاناةِ والصمّود أمامَ طلقاتِ الرّصاصِ، هذا دونَ إغفالِ عنصرَي الاضطهاد والاغتصابِ اللذينِ يفرضهما العدوّ المحتلّ على أبناء الوطنِ وسكانهِ الأصليين. إنّ الأمرَ يكادُ ينخلِعُ له القلبُ وتجفلُ على إثرهِ الروح مودعةً جسداً سكنتهُ وألِفته.

أسامة واحدٌ من اللاجئينَ الفلسطينيين الذين أجبرهم المحتلّ على تركِ أرضهم ومغادرةِ ترابِ وطنهم قسراً، لم يكن لديهِ خيارٌ غير الخضوعِ أمامَ مرضِ والدتهِ الذي جعلهُ لا يفكّرُ إلاّ في شفائها. بعدَ معاناةٍ طويلةٍ مع المرض والظروف القاسية التي عاشتها والدته، فاضت روحها إلى خالقها تاركةً خلفها ولدا واحدا يتخبطُ في دجُنّةِ الألم والتّحسر، وخمسةٌ آخرونَ ترقدُ أرواحهم بهناءٍ وسلامٍ في مرقدها الأبدي. لم يكن أسامة يفكّرُ إلا في طريقةٍ واحدةٍ تجعله يعودُ لوطنهِ ليقاتِلَ في ساحةِ الوغى بصمودٍ وشموخٍ علّه يظفرُ بشرابِ الشهادة ويرتاح من ماضيه. حاولَ مراراً وتكراراً تجاوزَ الحدود الإسرائيلية، فلم تتكلّل محاولاته بالنجاح. لكنّه على الرّغمِ من ذلكَ، كان في كلّ مرّةٍ يصطادُ جنديّا إسرائيليّا فيريحُ إخوانهُ المرابطينَ والمجاهدينَ من جبروتهِ وغدره ما جعلهُ لا يقنطُ من رَوح الله.

في ليالي الشّتاءِ القارس كان يدثّره الحنين إلى كنفين؛ كنفُ أمّه الدافئ، وكنفُ وطنه الآمن، بينما أضحى وحيدا يتيماً لا كنف يضمّه، ولا حضن يأويه. إنّ الأمر شبيهٌ بموتٍ بطيءٍ ينهشُ دواخلكَ، فيتآكلُ عمرك وتُستنزفُ طاقتكَ مودعا إياك داخلَ رحِمِ المكابدة والمعاناة.

يسودُّ ظلامُ المساء، فتسودُّ معه أيامه، وتفيض مآقيه ضعفاً وانكسارا. وإذا ما طلع الفجرُ وجدته يُهرولُ سعياً واجتهاداً، باذلاً كلّ وسعه في سبيلِ العبور إلى ضِفّةِ غزّة العِزّة طلباً للجهاد، وطمعا في الشهادة. ومتى اجتمعت رغبتينِ نبيلتينِ شريفتينِ إلا وكان التحقّقُ ثالثهما. في إحدى صباحاتهِ المعتادة، وبينما يجوبُ الأرض بغيةَ تحقيقِ مسعاه، إذا بالفرصةِ سانحةٌ، والظروفُ سهلةٌ يسيرةٌ سخّرها الله لعبدٍ لَحوحٍ من عباده المكروبين الصالحين. وبين عشيّة وضحاها كان أسامة قد عادَ إلى وطنهِ بطريقةٍ غامضةٍ لا يصدقها إنسيّ ولا جانّ.

30 views0 comments