تصوراتٌ أنيقة

Updated: Aug 4, 2021

تائه أنا ومجرد من كل حلم، فاقد للنسق والنطاق بل وعبد لتياراتٍ تخسف بقلبي مذ دخلتُ منزلي... لستُ أجد الوصف المناسب سيدي القارئ بل ولستُ أعلم الكيفية التي سأسرد بها أحداث هذا اليوم، كان حقا يوما خاصا بشكل مخالف للتصورات التي لطالما أنسجها في غياهب عقلي، سيظل محفورا بجدار ذاكرتي فهو جميل لدرجة لا توصف وكئيب لنفس الحد أو أكثر...

الثامنة وبضع دقائق أستيقظ كعادتي متقلب المزاج لا أنبس ببنت شفة، لو رمقتني بنظرك سأُصور لكَ ككئيب معتوهٍ لحد مبالغ فيه بل كرجل محملٍ بكراكيب الدنيا الفظيعة كلِّها، أخذتُ أصحو رويدا رويدا وبوتيرة متثاقلة كما هو الطبع دائما، وضبتُ أغراضي على قلّتها وهممتُ مسرعا دون أن أتجرع ولو لقمةً واحدة، كان لا بد لي من أن أمر على المصرِف حتى أحول مبلغا من النقود لحسابي البنكي وأوقع على بضع أوراق تخص شروط الاستخدام، ابتسامة الموظف ولباقته في الحديث أخرجت مني كلمات على مضض رغم قلة كلامي، أخذ يُفهمني العديد من الأمور والحيثيات الخاصة بالاستخدام الجيد للبطاقة البنكية والاحتياطات الواجب أخذها بعين الاعتبار، كان وقتا مملا بالرغم من قيمة المعلومات وابتسامة الموظف المتواصلة، وصفه للأشياء متكامل وبهي بل وأسلوبه لين وسلسٌّ وطلاقتهُ تجعلك تفهم الفحوى بشكل مباشر ورشيق...

استقليت سيارة أجرة حتى لا أتاخر على موعدي خصوصا وأن الصديق الذي سألاقيه كان قد وصل قبلي، كنا نخطط لزيارة دار النشر بغية أن يشرحوا لنا المسطرة والمعايير التي وجب احترامها في الكتابات بل وشروط القبول، وصلنا بعد أن وجدنا العنوان بشق الأنفس فقد كان النعتُ غريبا بطريقة ما، وصلنا لعين المكان والذي كان عبارة عن شقة تملؤها الأوراق والمخطوطات بل والكتب منذ عتبة الباب إلى آخر ركن فيها، بها مطبخ يطل على غرفة اتُّخذَت مكتبا بجانبه قاعة انتظار صغيرة، استقبلنا شاب قد يكون في منتصف عقده الثالث، كان قليل الكلام ثم كان طويلا ونحيفا لحد يلحظ، أخذنا مباشرةً لمكتب المشرفة ثم هم ذاهبا إلى الغرفة المجاورة، المشرفة سيدةٌ تمتاز بحس الصرامة والرزانة بل وقوةُ شخصيتها سمةٌ تُلمس قبل كل شيء، مثقفة وذاتُ نبرة عميقة بل وكلامها مضبوط لا تخالجه ذرة من الشك، أخذنا نتبادل أطراف الحديث ونطرح أسئلتنا كما نشاء بل وقوبلنا في أغلب المرات بإجابات وشروحات أكثر مما كنا نحتاج، كان حديثا حاويا ومثيرا إلى حد بليغ، وكبد ليس منه بد اندثرتُ وسط كل ذلك الكم من الكتب كما لو أنني في جنتي الخاصة، كنت أخرج من الحديث مرات عدة ناسجا بذلك تأملات وتدبرات في كل أطراف المكتب، عناوين الكتب وأسماء الكُتاب بل والألوان التي تم اختيارها لكل شيء كان هناك بدءا من الجدران مرورا باللوحات الحائطية ووصولا إلى غلاف كل كتاب على حدى... كان تأملا أدبيا وعميقا بامتياز، رحتُ أسير وأجيء فيه كما أبغي وطبقا للطريقة التي أردت وكل هذا دون أن أفقد خيط الحديث وفحوى المسألة التي حضرنا لأجلها، لم يكن ذلك شاقا على الإطلاق بل كان مثيرا وغريبا بشكلٍ إيجابي! أحير في وصف الشعور حتى... غادرنا بعد أن تبادلنا الأمنيات بالتوفيق وبعد أو وعدت المشرفة بأنني سأحضر مرة أخرى حتى أبتاع بعض الكتب التي شدتني إليها، وبغية أن أسلمها الفصول التي كتبتها حتى تُعرض على لجنة القراءة وإن كان حينها الرد موجبا فستكون بداية لعملية الطبع والنشر...

4 views0 comments