العودة من الموت

Updated: Oct 7, 2021

نزلت من السيارة متجهة نحو حانة الألعاب، بريق أضوائها سرق قلبي، شيئ ما يجذبني ربما رؤية الناس سعداء، أو ربما مزيج ألوانها بين بلونات تحلق عاليا وتشكيلات الحلوة القطنية وبين المثلجات طيبة المذاق، بين اندهاشي فيما هو ومضة من الخيال الذي بنيته في عقلي، أحوم في دائرة حول نفسي أختار أي من الألعاب ستثير شوقي واستكشافي، إذا بي أذهب راكضة إلى إحدى الألعاب وأمي تخبرني بألا أبتعد، حسنا لا أنكر أنني منذ نعومتي أظافري نمت داخلي فوبيا من ألعاب الملاهي المخيفة والغامضة، لكن هذه المرة اخترت إحدى الألعاب التي سبق وأن جربتها، هي عبارة عن مجموعة من المقطورات تصعد بخفة وتعود بسلاسة، لا شيئ يثير الخوف! ركضت إلى إحدى المقاعد، أجلس وحيدة بينما هنالك أشخاص يجلسون بقرب أصدقائهم، وآخرون بقرب أحبائهم، لا علينا، الفرحة تغمر ملامح وجهي، وتزيد من لمعان عينيَّ، أتى أحد العمال حتى يتأكد من التذكرة وأيضا ليربط الحزام، بدأت اللعبة تدور قليلا وتعود قليلا بل وتارةً تقف، ثم إذا بها تصعد للسماء، في هذه اللحظة بالضبط تغيرت ملامح وجهي وفقدت وميض شعلتي، بدأت تدور للأعلى وتتوقف، مما جعل وضعية الركاب رأسا عل عقب، أمسكت بأشد ما أملك من قوة ويداي ترتجفان، أصرخ بكل حر، هل من مغيث! تصعد للسماء تارة وتنزل بقوة تارة أخرى، أفتح نصف عيناي عندما تنزل لأطلب من أحدهم أن يوقفها، لدي فوبيا من العلو المرتفع ولم يكن في بالي أنها لعبة تصعد للأعلى، كنت أفتح عيناي بحثا عن منقدٍ لكن لا حياة لمن تنادي، الكل يضحك بهستيرية وكأنهم وحوش، أنانيتهم ليست تذكر! أه بدأت تنخفض سرعة اللعبة، علَّها ستتوقف، بل هاهي تصعد مرة أخرى لأتشبث بقوة بينما عيناي مغمضتان، أفتحهما قليلا فأرى أنني على وشك السقوط، كأنه الموت ينادي! ليس هذا ما كنت أريد، صوتي لا يسمع بل ويداي باردتان، اصفر وجهي وملامحي لم يعد لها شكل، كل ما أفكر فيه الآن هو حياتي، أكانت جيدة بقدر يكفي؟ هل سيسمح لي بفرصة أخرى؟ أبطأت اللعبة من سرعتها، الدموع تملؤ عيناي، لم أعد أطلب النجدة ما دامت الوحوش لا تعي مصطلح الرحمة، توقفت اللعبة فنزلت بسرعة وكأنني أهرب من بيت يحترق، لحظة نزولي فهمتُ إحدى القواعد الذي ذكرت في كتاب الرقص مع الحياة للكاتب "المهدي المسوي" ألا وهو الإمتنان، أصبحت ممتنة لكل شيئ بل ممتنة لأنني أملكُ حياة، ممتنة لما أملك ولأين وصلت، ممتنة لكل الذين يتواجدون بحياتي من جيدهم إلى أسوأهم، أن يسمح لك القدر بفرصة أخرى للعيش هو شيئ يستحق الإمتنان حقا، سيجعلك هذا تلقائيا لدرجةٍ تصنع من خلالها طريقا أخرا لك، في إطار حديثنا عن الفوبيا فهناك أسطورة يونانية قديمة تقول أن الفوبيا التي تحملها الآن هي طريقة موتك في الحياة السابقة، تبقى مجرد أساطير فلسفية لا قرب لها من الواقع...

37 views0 comments