احب امرأة و شبحا : الجزء الرابع

انتهى زوجي من روايته، فشعرت ببركان الغضب يستعر في باطني، ويوشك على الانفجار، ما أغضبني حقا ليس في أنه كان متزوجا من قبلي وأخفى عني ذلك، ولا في أنه تركني أعاني لأيام طويلة بسبب وجود شبح زوجته الأولى معي في نفس المنزل، وتعامل مع معاناتي تلك بتهكم وسخرية، ولكن ما أغضبني هو تلك الطريقته التي تحدث بها عنها، والتي تشير بوضوح إلى أنها كانت حبه الأول والوحيد، وإلى أنني لم أكن سوى محاولة منه ليواصل حياته من دونها، محاولة يائسة لتقليل آلام فقدانها ... أهكذا يراني إذا! مجرد مسكن للآلام، لماذا أوهمني إذا بأنه يحبني!؟ وبأنني حلم حياته، الذي تحقق بعد طول انتظار!؟ هل كانت كل كلمات الحب التي بثها في أذني، مجرد تكرار غير صادق لم بثه لها!؟ ... غضبي يتفاقم، ولن استطيع البقاء معه لحظة واحدة، أخبرته بأنني عائده إلى بيت أبي، وقبل أن أرحل وسوس لي شيطاني، بأن أغيظه، وأخبره، أن حبيبته الشبح، المزعومة، قد رحلت للأبد، وأنني كنت السبب في ذلك، ففعلت، وألقيت كلماتي الغاضبة في وجهه!

وبمجرد أن فعلت ذلك، أدركت مباشرة فداحة خطئي، عندما تبدلت ملامح وجهه في لحظة واحدة، واكتسى بالغضب الشديد، واندفع نحوي وأمسك بذراعي بقسوة لم أعهدها فيه من قبل، حاولت تخليص نفسي من قبضته، فتعثرت، وشعرت برأسي يرتطم بشئ ما، ثم أظلم كل شئ حولي ...

*

عندما أفقت، شعرت بالهواء البارد يلفح وجهي، من أين جاء هذا الهواء البارد!؟ هل هناك من قام بفتح الشباك ... كنت أشعر بدوار شديد، ورأسي ما زالت تؤلمني، كما أن الأشياء تبدو غائمة، ومهتزة أمام ناظري، والألوان تبدو غير طبيعية، كأن الضربة أفسدت أجهزة الرؤية داخل مخي، فتلك الشجرة مثلا تبدو زرقاء، وكأنها .... اللعنة، هل أرى شجرة حقا، مالذي جاء بها إلى هنا!؟.. اعتدلت، وتلفت حولي في فزع، فانتبهت في ذعر إلى أنني ممدة على مرج عشبي، وأمامي صف من الأشجار المتصافة والمتشابهة كأنهم جند متراصون يستعدون لخوض غمار معركة ... لم يكن هذا ما أشعرني بالرغب فقط، بل كانت تلك السماء التي تظل هذا المكان! سماء زرقاء ولكن ليست بذلك اللون الأزرق، الصاف، المعتاد للسماء التي أعرفها، بل كان لونا يشبه ذلك الأزرق الذي يستخدم في غرف التعقيم، لونا لا يجعلك تدرك هل هذا هوالصباح أم المساء، وبخاصة أنها كانت سماء بلا شمس، ولا قمر، ولا نجوم، كانت زرقاء وخالية تماما، وترسل ضوئها الأزرق السخيف، ليكسب كل شئ حولي بنفس اللون، العشب أزرق، والأشجار زرقاء، وحتى ثوبي الأبيض، ولون جسدي اصطبغت جميعها بهذا اللون المقيت، تنبهت الآن إلى أنني ارتدي ثوبا أبيض، ترى متى بدلت ثيابي!؟ سؤال سخيف آخر وليس له أولوية للمقارنة بحزمة التساؤلات المرعبة التي تحيط بي في تلك اللحظة ... حينها سمعت العواء، عواء طويل مرعب، خشن، وعميق كأنه يصدر من قاع بئر، أنا أعرف صوت عواء الذئب، والكلاب الغير منضبطة السلوك التي تحاول تقليد الذئاب، وأعرف أيضا صوت زئير الأسد، وكذلك صوت نهيم الفيل، ولكن هذا العواء مختلف تماما عن أي شئ سمعته، يمكنك أن تتخيل خليط من تلك الأصوات معا، إذا تم تكبيره وتعميقه عشر مرات، وإذا امتزج أيضا بعويل شيطان يتلظى في الجحيم، حينها سيكون لديك شيئا قريبا من صوت ذلك العواء ... نهضت مفزعة، وأخذت اتلفت حولي باحثة عن مصدر العواء ... تكرر العواء مجددا، وكان أكثر قربا تلك المرة، شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي، وبقدماي تتحولان إلى عودين من المعكرونة، وبأنني أوشك على فقدان الوعي مجددا، ولكن غريزة البقاء داخلي قررت التدخل، ودفعتني لأعدو هاربة إلى الاتجاه المضاد، إلى ما وراء صف الأشجار الزرقاء المتراصة ...

*

كنت أعدو في غابة من الأشجار، كانت الأشجار بأحجام مختلفة منها العملاق ومنها الصغير وما بين ذلك، ولكن كلها كانت من صنف واحد، لا أعرفه، كانت لها أوراق صغيرة مدببة، تنمو فوق فروع صغيرة متشابكه، ومتداخلة لتصنع كريات غريبة الشكل، كأعشاش الطيور، لا أرى أي ثمار على هذه الأشجار، ولا يوجد كائنات تحيا عليها، لا طيور، ولا حيوانات صغيرة ولا حتى حشرات ... أين أنا!؟ وما هذا المكان اللعين!؟

تعثرت في شئ ما، قد يكون بعض الشجيرات أو الآجام المتناثرة أو قد يكون امتداد جذري يخرج من واحدة من تلك الأشجار، سقطت على الأرض، وتدحرجت لأمتار، ولكنني تحاملت ونهضت بسرعة عندما سمعت العواء من جديد، سمعته من مكان قريب جدا ... كانت السقطة قد أدمت يدي، وقدمي، فسالت منها بعض الدماء الزرقاء، ولكن الوقت ليس مناسبا الآن للتباكي على بعض الجروح البسيطة، سيأتي ذلك الوقت لاحقا، حينها سأغرق العالم بدموعي، ولكن علي الآن أن أواصل الهرب ... أفكر في تسلق واحدة من تلك الأشجار، والاختفاء بين كرياتها الشجرية، فالهروب لم يعد مجديا، وصوت العواء قد صار قريبا للغاية ... تسلقت الشجرة بسهولة، فقد كنت من أبطال رياضة (الجمباز) في صغري، شعرت بوريقات الشجرة المدببة تدمي جسدي، تجاهلت الألم وأنا أواصل التسلق حتى وصلت إلى ارتفاع كبير، واختفيت تماما خلف كتلة من الأوراق والفروع المتشابكة، تمتمت بصوت مرتجف:

- اعتقد أنني سأكون آمنة هنا ... فلم أسمع من قبل عن ذئب يستطيع تسلق الأشجار ...

لبثت في مكاني لثوان أخرى إضافية، حتى ظهر ذلك الشئ، وضعت كفي على فمي، حتى أمنع صرخة رعب كادت تنطلق منه بعفوية، هذا الشئ لم يكن ذئبا، ولم يكن شيئا آخر أعرفه، كان ضخما، له جسد معتدل كالبشر يسير على قدمين، له حدبة كبيرة على ظهره تجعله منحنيا بعض الشئ، كان جسده عضليا ومغطى بوبر أسود، وملئ بالمئات من الندوب والجروح القطعية، كان له رأس قرد مشوه، وعلى جانبيه قرنين معقوفين، وله أنياب حادة ومخالب كالسيوف، كان أشبه بخليط من المستذئب، والمينوتور، و (كينج كونج) كما عرضتهم السينما العالمية، ولكنه أكثر قبحا، وتوحشا ... الأسوء من كل ذلك إنه كان يحمل بين مخالبه رأسا بشريا، تسيل منها الدماء، من الواضح أنه رأسا طازجا ...

تشمم ذلك الشيطان الهواء، ثم تلفت يمينا ويسارا ... انكمشت أكثر في مخبأي، وتداريت خلف الوريقات والفروع أكثر، من حسن الحظ أنه لم يرفع رأسه إلى أعلى وإلا لرآني ... أطلق الوحش عواء آخر جمد الدم في عروقي، ثم مضى ... أفكر أن هناك احتمال رائع أن يكون هذا كله حلما، ولكن تلك الآلام في رأسي وجسدي تنفي ذلك تماما، تحدثني نفسي أن أنزل عن الشجرة، لأبحث عن مهرب من هذا المكان اللعين، ولكنني أردها، وألعن غباءها، كيف أنزل من فوق الشجرة!؟ وأضع نفسي في مواجهة مع هذا الشيطان المريد، سأبقى فوق تلك الشجرة إلى الأبد ... غيرت قراري بعد ثوان قليلة، عندما رأيت كارثة أخرى تزحف على شجرة قريبة، تتشابك فروعها مع الشجرة التي أكمن فيها، للوهلة الأولى تخاله ثعبان (البوا) العملاق، ولكن هل كان ثعبان (البوا) له رأسين، لكل منها فم يحمل صفا من الأنياب الطويلة الحادة، هل كان (للبوا) عينين تبرقان بلون أحمر ناري، وهل كان بتلك الضخامة، وذلك الطول الذي يناهز العشرة أمتار، وهل كان قادرا على فتح فمه بهذا الاتساع المرعب، الذي يجعله قادرا على التهام رجل في قضمة واحدة، وهل كان يستقيم على جذعه وبعتدل بذلك الشكل الرهيب ... لن انتظر لثانية أخرى إضافية، وسأهبط مباشرة من فوق الشجرة، هذا ليس (البوا) بالتأكيد، تلك مصيبة أخرى من ذلك العالم اللعين، وهي قادمة في اتجاهي، لذا علي الهرب، وبسرعة ...

*

عدت على أثري للمكان الذي أفقت فيه، بحثا عن شئ أو دليل يساعدني لأعرف أين أنا ... كنت أعدو فوق المرج، وأصعد التلة، بالتأكيد هناك شئ ما خلفها، خطوات أخرى أضافية، وأصل إلى القمة ... الآن استطيع أن أرى ما وراءها، إنه الهول، بالضبط لقد كان ما وراء التلة هو الهول بنفسه ... جميع الكلمات لن تجدي نفعا في وصف ما رأيته، مهما قلت أو حكيت، سيكون ما قلته أقل بكثير مما رأيته، كان ما وراء التلة وادي متسع من الرمال وفي وسطه بحيرة من الحمم الملتهب، التي تتلظى، وتفور، ويسيل على ضفتيها الحميم ثم ينحسر كموج البحر، وبجانبها كانت هناك أرض صخرية ممهدة، تقيم فيها الوحوش حفلة ما!.. كانت هناك العشرات من الوحوش بأشكال متنوعة، ومقيتة، ومرعبة، لقد كان ذلك اللعين الذي طاردني في البداية من وسماء هذا العالم وأكثرهم سماحة، ولطفا، مقارنة بمن أشاهدهم الآن ... كان الحفل يقام على شرف مجموعة من البشر من الرجال والنساء، كان بعضهم مقيدا إلى سواري حجرية، ويتم تمزيقه حيا والتهامه، وبعضهم معلق بسلاسل معدنية، ملتهبة ويتم غمسه في النار، والبعض الآخر كان ممددا على نصب، ويتم تقطيعه بحرفية عالية ... أصوات صراخ، وعويل، وبكاء البشر المساكين تملأ المكان ويطغو عليها أصوات زئير الوحوش الشرهه، النهمة، المتعطشة للدماء ... هل هذا هو الجحيم!؟ هل قادتني أعمالي مباشرة إلى جهنم!؟.. لماذا لا أجد تلك الفكرة مقبولة!؟ هناك جزء ما من عقلي يخبرني جهنم ستكون أكثر هولا وظلمة بالتأكيد ... أفكر أن وجودي في هذا العالم قد عبث بطبيعتي، فلو تعرضت لواحد على الألف من تلك الأهوال في حياتي، لتوقف قلبي عن العمل مباشرة، ومت من الذعر، أو فقدت الوعي وذلك لشهور على أفضل تقدير ... في تلك اللحظة سمعت تلك الخطوات تتسلل من خلفي، ليس لدي الجرأة للالتفات، وبالتأكيد أي محاولة للهرب لن تجدي نفعا، فصاحب الخطوات يقف الآن في ظهري تماما، أشعر به، وأعرف ما سيحدث، وما ينتظرني الآن، إنها النهاية بالتأكيد ...

1 view0 comments