أطلال

لعل أطلال المدينة ليست أطلالا كما تصورتها، فقد رأيت في هذه المدينة من محاسن الحياة ما طاب خاطري له. اعتلت قلبي غمامة وانا أرى أنها صارت أطلالا بعد أن فقد قلبي القدرة على الإحساس بطبيعة المدينة المخضرة والممتلئة بناس تبحث عن الاستجمام؛ بين الاحبة والأزواج الجدد، الذين ارتشفوا جرعة الحب النقية للمرة الاولى في مدينة عرفت الحب كما عرفت أنا البؤس. كل مرة أتيت فيها هنا بادلت والبؤس ابتسامات ارتسمت على وجهي كلما رأيت السماء الصافية والهواء المنعش، لكنني هذه المرة لم أعرف للسعادة طعما. قد رأيت المدينة أطلالا كنابلس خربتها الحرب وبقيت شامخة عبرة للشعوب القادمة، كفلسطين تبقى جميلة بزيتونها مهما دنسها المحتل. ولكن هذه المرة لمست المدينة فوجدتها كعروس زوجت غير حبيبها، كمن عرفت البؤس فتعففت عن الحياة. عرفت حينها أن المدينة أمرت بشفائي وأن للشفاء مائة طريقة، تسع وتسعين منها كانت عيونا لم أرها منذ سنين، و المائة تعففت عني وترفعت عن ملاقاتي. تسكعت بين الازقة العتيقة وجلست على الارصفة لعلي أجد ذرة من نفسي القديمة، لعلي أتعثر وأجد من يدلني عن الإحساس القديم، أو أجد زقاقا آخره النور الذي أسمع عنه في كل أشرطة شيوخ الأزهر. قلبت صفحات من الارشيف ولكنني لم أجد إلا صفحات محروقة وصفحات أخذت و لن تعود أبدا. ليت اوراق خريفي لم تزل و تتبع احلاما تطير في سماء التيه، ليت صيفي لم يكن بحر الجحيم، ليتني وجدت ضالتي قبل أن يجدني الهلاك. لمن أتحدث؟ ولمن أحكي؟ أ أروح لفيروز مجددا، لتريحني بكلماتها "زوروني كل سنة مرة"؟ لم يزرني غير المارة المستغربين من سكوني التام ونومي على الأزقة، والشوق لا ياديل أسمع عنها من وراء الجدران وعلى ألحان وعدتني بغد أفضل... لم يأتي الغد بأي فضل ولا بشيء أفضل، فقولي لهم يا فيروز ليزوروني كل سنة مرة لعلي أنعش ذاكرتي بهم، أو لعلهم يتذكرون أنني على قيد الحياة، أنني لست الشيطان إنما الشيطان أخد حياتي. وأنت يا اطلال مدينة أحببتها، فستنضمين للائحة من أحبوني وأحببتهم ولكن الزمن أخد الحب ووضعنا في جب الظلام.

يا ليتني أتوقف عن الترحال، يا ليتني أتوقف عن التحديق في وجوه المارة السعداء المليئة بحب الآخر وحب الحياة، يا ليتني استطعت سرقة ذلك الحب وارتشافه كخمر محرم علي وعلى من مثلي... يا ليتهم لم يكونوا على حق، يا ليتها لم تنظر لأعيني لتخبرني انني سأنتهي لوحدي، يا ليتها لم تكن على الحق، يا ليتهم أخدوا روحي وليس حياتي...

أحببتك يا اطلال، أحببتني واخترتني حين لم يخترني أحد من الرفوف المغبرة، حين لم تأخذني بوسطة فيروز، حين تركت على الرصيف، احببتك لأنك احتضنتني لكنك الآن تركتني كأنك لم تأخذيني يوما أو لعلي أنا من صرت اقسى من الحجر وعيوني لا ترى إلا الخراب... اما الطريقة فسحقا لي


92 views0 comments

Recent Posts

See All